«حرب كرموز».. العودة المدهشة للبطل الشعبى! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 12:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


«حرب كرموز».. العودة المدهشة للبطل الشعبى!

نشر فى : الخميس 21 يونيو 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 21 يونيو 2018 - 9:20 م

لم أكن أتوقع الكثير رغم براعة وإبهار المقدمة الإعلانية لفيلم «حرب كرموز»، فالمقدمات تكون خادعة فى بعض الحالات، ولكن الفيلم الذى كتب له السيناريو والحوار وأخرجه بيتر ميمى، عن قصة لمحمد السبكى، كان فعلًا مفاجأة سارة على كل المستويات.
هناك ملاحظات بالتأكيد، ولكننا أمام عمل محكم البناء، مشوق، ومثير، وفيه عناصر كثيرة جيدة للغاية، مما يجعله بين أفضل أفلام 2018، ولكن نقطة تميز الفيلم الكبرى تتمثل فى نجاحه خلق بطل شعبى خارق، يستفيد من روافد متعددة، مثل أفلام رعاة البقر، ولكنه يدمجها فى إطار مصرى، ويمزج بذكاء بين البطل الفرد، وبطولة الناس، بين «الهيرو» والوطن.
وهى معادلة شديدة الصعوبة، فشل مخرجون كبار، وأفلام ضخمة فى تحقيقها، وبسبب هذا البطل الشعبى حقق الفيلم نجاحه الجماهيرى المكتسح، المتفرج يجد بسهولة هؤلاء الأبطال السوبر فى الأفلام الأمريكية، سواء فى قصص واقعية، أو قادمة من عالم الكوميكس، ولكنه يراها فى «حرب كرموز» إطار محلى، ووسط إيهام بالتاريخ القريب، وبشكل قريب من التكامل والإتقان.
من الخطأ الفادح أن يُقرأ «حرب كرموز» كعمل تاريخى صريح، إنه أقرب إلى فكرة الخيال الشعبى للتاريخ، شىء أقرب إلى موال أدهم الشرقاوى، الذى لا يأخذ إلا أقل القليل من الواقع، لكى يبنى عليه خيالًا يصنع بطلًا أسطوريًا، وفيلمنا المهم لا يأخذ من التاريخ سوى أن جنود بريطانيا كانوا يحتلون مصر، وصمود قسم الشرطة أمام الإنجليز فيه استلهام بعيد لما حدث بالفعل فى 25 يناير 1952 من صمود رجال الشرطة بالاسماعيلية ضد قوات الجنرال «إكسهام»، ولكن فى سياق وملابسات مختلفة تمامًا.
ما عدا هذه الظلال، فلا علاقة للفيلم بالتاريخ أو بالجغرافيا؛ أى إننا أمام مجرد إطار أو إيهام بالتاريخ، مع توظيف للخيال، من أجل تمجيد بطولة بكباشى متخيّل اسمه يوسف المصرى (أمير كرارة)، رفض أن يسلم شابين مصريين، قتلا اثنين من الجنود الإنجليز، اغتصبا فتاة مصرية، بل إن يوسف المصرى اعتقل ضابطًا بريطانيا جاء ليطلق سراح زملائه، وهكذا صار موقف البكباشى المصرى دفاعًا عن القانون لكى يأخذ مجراه، ودفاعًا عن شرف البوليس والوطن، ضد المحتل البريطانى.
ورغم أن الحالة يمكن فعلًا أن تكون مصرية، لوجود تيار وطنى قوى، لم يتردد أحيانًا فى الاتصال بالألمان، لطرد الإنجليز، إلا أنك لو تأملتَ لوجدتَ أن يوسف المصرى يذكرنا بقوة بنموذج الشريف فى بعض أفلام رعاة البقر:
الرجل الذى يمكن أن يدفع حياته ثمنا لتنفيذ القانون، ولهزيمة الأشرار، البطل الذى لا يقهر، والذى يتم إنقاذه فى آخر لحظة من حبل المشنقة، الحق والعدل والرجولة تمشى على قدمين، وهو بؤرة الحكاية الذى ينجح ليس فقط فى استنهاض زملائه المسلحين، ولكنه يمنح الفرصة لشخصيات أبعد ما تكون عن الاستقامة والمثالية، لكى تكشف عن معدنها الأصيل، بأن تنضم له فى حربه العادلة، ومن نماذج تلك الشخصيات فى فيلمنا العاهرة زوبة (غادة عبدالرازق)، واللص عصفورة (مصطفى خاطر)، والضابط المتمرد المفصول عزت الوحش (محمود حميدة).
لا يستغرق الفيلم فى مقدمات طويلة، ولكنه يدخل مباشرة إلى قلب الصراع، فبعد مشهد ما قبل العناوين، حيث يغتصب الإنجليز الفتاة المصرية، نتعرف فى مشهدين قصيرين على علاقة يوسف بشقيقتيه (إيمان العاصى وروجينا فى دورين باهتين)، ثم ندخل بعد ذلك إلى الصراع العنيف على الجانبين المصرى والبريطانى، وكأن الفيلم معركة طويلة بلا توقف:
حصار إنجليزى لقسم كرموز، ومقاومة من الجانب المصرى، كل طرف يستخدم أوراقه، وبينما تكتفى الأفلام عادة بأزمات قليلة متناثرة، فإن بناء السيناريو مصمم تقريبًا على خلق أزمة كل عشر دقائق، وأحيانا كل خمس دقائق، هذا البناء يستفيد حتمًا من أفلام الحركة والإثارة الحديثة، بل إنه يستهلك كل أدوات الاشتباك: بالأيدى والأرجل، وبالأسلحة البيضاء، وبالمسدسات والبنادق، وتستخدم فى الفيلم القنابل اليدوية، والمتفجرات، والدبابات، ومطاردات السيارات.
إنه، كما ذكرت، بطل شعبى مصرى فى زمن الاحتلال، ولكنه يريد أيضًا أن ينافس الأبطال الخارقين المعاصرين، إنه فيلم عن زمن الاحتلال، ولكن بأدوات وخيال اليوم.
لا يستفيد الفيلم من التطور فى سينما الحركة، وفى إمكانيات الأبطال الخارقين المعاصرين فحسب، بل إنه يستفيد حتى من نجاح أمير كرارة فى دور ضابط شرطة معاصر فى مسلسل تليفزيونى ناجح هو «كلبش 1» و«كلبش 2»، فينقل أمير حرفيا شخصية سليم الأنصارى إلى الفيلم!
لا أعتقد أنه كان من الصعب عليه أن يغيّر ويبتكر شيئًا آخر ليوسف المصرى، ولكنك لو تأملت لاكتشفت أن «المصرى» هو التنويعة الأقدم والأوسع لشخصية سليم، وإذا كان سليم هو باشا مصر مجازيا، فإن يوسف هو باشا مصر فعليا، بطل قومى خارق، أيقظ الشعب فى النهاية.
باستثناء بعض الهفوات كالأخطاء اللغوية الفادحة فى قراءة البيان المذاع فى الراديو، والخلط بين «العصيان المدنى» و«العصيان العسكرى»، على سبيل المثال، فإن هناك إنتاجًا كبيرًا بمعايير السينما المصرية، وهنا تميز فى الصورة والموسيقى والديكور والملابس والمونتاج، وأداء جيد من الممثلين، مع تميز خاص وفائق لمحمود حميدة، وغادة عبدالرازق، فى اثنين من أفضل أدوراهما فى السينما.
لفت نظرى أيضًا أداء الواعد محمود حجازى، وفؤاد شرف الدين فى دور القائد العسكرى البريطانى، ومصطفى خاطر فى دور «عصفورة»، وإن كنت أتمنى أن ينقص من وزنه، ليكون ملائمًا أكثر للدور، حتى ضيوف الشرف مثل فتحى عبدالوهاب وأحمد السقا كانا فى مكانيهما تمامًا، فى دورين مؤثرين فى الأحداث، السقا تحديدًا كان يقدم تحية مزدوجة: من نجم أكشن إلى زميله، ومن ضابط مصرى لضابط تحول إلى بطل قومى، أما بطل الحركة «سكوت أدكنز» فقد أدى بالضبط كل ما هو مطلوب منه!
«حرب كرموز» فيلم مهم جدًا، سيعيش طويلًا مثل كل أفلام الأبطال الشعبيين، وأعتقد أن بيتر ميمى المخرج وكاتب السيناريو، لديه الكثير الذى يمكن أن يقدمه، أكثر من اقتباس الأفلام، إنه موهوب فعلًا، ويمكنه أن يضيف الكثير لصناعة السينما.

التعليقات