الحلقةُ الأخيرة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 يوليه 2021 5:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

الحلقةُ الأخيرة

نشر فى : الجمعة 21 مايو 2021 - 10:15 م | آخر تحديث : الجمعة 21 مايو 2021 - 10:15 م
انتهى رمضان وبقيت آثاره الدرامية مادةً خصبةً للحديث والتداول، تتناولها المقالاتُ والنقاشاتُ بالعرضِ والنقدِ والتحليل؛ فتقدح فيها وتذمها أو تمدحها وتشيد بها. لم تحظ نهاياتُ المُسلسلات مِن قبل بما حظت به هذا العام مِن اهتمام؛ الحلقاتُ الأخيرةُ باستثناء ندرة باتت في طرفةِ عين مثارَ اعتراض شبه عام، أجمع كثير المشاهدين على أن ترك المُسلسلات دون نهاية ربما كان أفضل وأقل ضررًا.
***
بعضُ هذه المُسلسلات رغم أهمية ما طرح؛ جاءت نهايته فائقة السعادةِ والرفاهةِ، وغدت الأزمةُ فيه سهلةَ الحلّ طيعة رغم تفاقُمها على مدار سنوات؛ لتوحيَ بأنها مُفتعلة، وربما لم تكُن هناك عقدة من الأساس. عاشت البطلةُ عمرها تعاني من علةٍ نفسية، ثم درست علتها، وخلال برهة قصيرة مرَّت بتفوق من الاختبار؛ إذ راحت تقفز مع الطفلةِ التي جعلتها نموذجًا لدراستها، ثم رفع الحكامُ بطاقات عليها الدرجات النهائية؛ وكأنها في مسابقة أحلى صوت لا في مناقشة علمية رصينة، وعلى الفور أعطوها الشهادة. نهاية أخرى افتقرت إلى المُبرر الدرامي افتقار النهر للمياه؛ فرأينا البطلَ يطفئ حريقَ بضائعه ولا يفكر في الزوجةِ والأبناء وهو الصعيدي الأصيل، ثم رأينا الثأر يؤخذ بأياد غريبة، والانفجار يلتهم الأخضر واليابس، والبطلَ يتحول إلى غربال؛ لنصل إلى ختام لا نفهم معناه ولا ندري إن كان مِن ورائه قصد. حتى الدراما التي عرف كل مَن تابعها أنها مَبنية على قصةٍ حقيقية؛ جاءت نهايتها مِن قبيل الفانتازيا المثيرة للسخرية؛ فالمحامي العتيد المَكير؛ يكذب على المحكمةِ ذاتها، ويدعي وفاةَ موكلته، ثم يَصدر الحكمُ الذي لا يستند إلى أدلةٍ دامغة بما تمناه المشاهدون، وإذا بالمحامي يكشف لنا أن موكلتَه لم تمُت وأنه أخفاها وزور أوراقَ موتها؛ لتستكمل الحياةَ هانئةً ونستكمل نحن انهيار أعصابنا.
***
الخاتمةُ مثلها مثل البداية؛ إن لم تكن قويةً مقنعةً أفسدت العملَ برمته. يدرك الكاتبُ أنه إذا بدأ الكتابةَ؛ فلا بد أن يكون مدخله جاذبًا للقارئ وإلا تركه مِن الكلمة الأولى، وإذا أراد أن يترك أثرًا بكتابته؛ فعليه أن يحسنَ الخاتمةَ ويكثف عبرها المضمون.
***
يقال إن البدايات تنبئ عن النهايات، وإن الجوابَ يبين من عنوانه؛ لكن هذه القاعدةَ لم تتحقَّق في الدراما التي تفرغنا على مدار شهرٍ كاملٍ نتابعها ونشيد بقسمٍ منها؛ ثم إذا بالمَشَاهِد الأخيرة تخزلنا، وتبثُّ فينا الندمَ على وقتٍ أضعناه فوق مقاعدنا؛ وكان الأجدى أن نفيد منه ولو بإفراغ الذهنِ والنظر في السماء.
***
لا أعرف حتى الآن مِن بين الصديقات والأصدقاء من استحسن ختامَ مُسلسل من المُسلسلات إلا قليلًا؛ ربما كان نجيب زاهي زركش للفنان العبقري يحيى الفخراني على رأسِها، أما بقية الأعمالِ فسقوطٌ فاحشٌ من علِ؛ يدفع للتساؤل عن الدوافعِ والأسباب، والحقُّ أن تعدد الشاكين، المصدومين فيما تلقوا؛ ووجود خصائص مُشتركة للخواتيم الرديئة أحصاها المشاهدون وعلقوا عليها بعد الإفاقةِ من الصدمة؛ تجعل المرءَ يظن وبعضُ الظن إثم؛ أن كاتبًا واحدًا قد جيء به لظروفٍ خارجةٍ عن الإرادة؛ فقيل له أن اكتب لنا نهاياتِ هذه المسلسلات جميعها في قعدةٍ واحدة؛ الشهر الفضيلُ قد انتهى ولا بد من العودة لبيوتنا.
***
اتسَمت النهاياتُ الخائبةُ باستخفافٍ عظيم بعقولِ المشاهدين، وإدراجِ أحداثٍ هي مِن فئةِ العبث الذي لا يُقره واقع أو منطق، ولا يمكن تحت أي مُسمى قبوله، بل وبتجاهل الزَّمنِ الذي تستغرقه، وحشدها في وقتٍ ضيق لا يُعقل أن تتمَ فيه، وكأن على الرائي أن يلعب دورًا في المُسلسل فيقوم بإعادة الصياغةِ وتأليف نهايةٍ جديدةٍ مُرضية، وهو ما حدث فعليًا؛ فقد راح بعضُ المتابعين يقدمون حلولًا ويخترعون نهايات، بينما يتحسرون على الخديعةِ الكبرى التي تعرضوا لها.
***
خفَّف مِن أثرِ الاستهانةِ المُفجِعة بالمُتلقين؛ ما واكب انتهاءَ رمضان مِن أحداثٍ جسامٍ وقعت ولا تزال تتري في قلبِ فلسطين. كثير الناسِ وأنا منهم تسمَّر يتابع ما يجري في المُدن والقرى المُنتفِضة، وأسقط مِن حساباته دراما المُسلسلات ومَساوئها؛ فعلى الأرضِ العربيةِ استوت حقيقةٌ دامغةٌ، والأخبار التي توالت مُفرحةٌ، والقلبُ الذي أثقلته المَواجع يهفو لما ينصره، ويهديه بعضًا من الكرامةِ المُراقة هنا وهناك.
***
حلَّت علينا حلقاتُ المقاومة المتواصلة بردًا وسلامًا؛ فجعلت للعيد مذاقًا فقدناه منذ سنين، وبثت أملًا مُتجددًا في نهاية حاسمة مشهودة؛ تجتمع فيها أركانُ المَجد والفخر والبطولة.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات