رجل الصناعة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 11:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

رجل الصناعة

نشر فى : الثلاثاء 21 أبريل 2020 - 10:30 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 21 أبريل 2020 - 10:30 ص

الصناعة من الأنشطة الاقتصادية التى لا تمطر ذهبا على أصحابها، لا تعرف الربح السريع، العائد على الاستثمار الصناعى ليس كبيرا فى الغالب، لا يقارن بالعائد على الاستثمار فى الذهب ومحافظ الأوراق المالية والعقارات والنشاط السياحى. رواد الصناعة يستمرون عادة فى نشاطهم رغم تحقيق شركاتهم خسائر ضخمة تقدر بالمليارات فى كثير من الأحيان. مع ذلك فنادرا ما يلجأ هؤلاء إلى تسريح العاملين أو غلق المنشآت أو الخروج من النشاط الصناعى، ذلك لأنهم يدركون جيدا صعوبة تكرار البناء، وأن موانع الدخول للسوق ليست هينة، ولا تتيح لهم بسهولة الخروج والدخول إليها كيفما شاءوا.
أما نشاط التجارة فهو بطبيعته الديناميكية لا يربط أصحابه بسلعة معينة، ولا يكلف التاجر بتكاليف رأسمالية كبيرة سواء مادية أو بشرية. على النقيض نجد رجل الصناعة (التذكير هنا ليس تحيزا للرجال من دون النساء لكنه للتغليب كما تعرفه اللغة) يستصدر التراخيص التى تعيش سنوات، ينفق الملايين فى شراء الماكينات والمعدات وصيانتها، ينفق المال الوفير والجهد فى اختيار وتأهيل وتدريب مئات العاملين المهرة الذين لا يمكن استبدالهم فى أيام وشهور. رجل الصناعة يتميز بالنفس الطويل، يتقدم إلى البنوك للحصول على تمويل للعملية الصناعية، يبذل الكثير من الجهد ويقدم الدراسات التى عليه أن يقنع من خلالها المصارف بأن العائد على استثماراته يمكنه أن يتغلب على العائد على الاستثمار فى أذون الخزانة! فوائد أذون الخزانة هى الحد الأدنى الموصوف فى كل العالم بأنه الخالى من المخاطر، ولأن العائد يرتبط بعلاقة طردية مع المخاطر فمن المنطقى أن ينخفض العائد على أدوات الدين الحكومى ــ وأقصرها أجلا أذون الخزانة ــ إلى أدنى المستويات.
***
رجل الصناعة فى مصر مطالب أكثر من غيره أن يتحدى المنطق وأن ينازع وضعا استثنائيا معكوسا تدفع فيه وزارة المالية العائد الأكبر للمقرضين على أقل أدوات الدين من حيث المخاطر (وهذا مفهوم فى الظروف الراهنة). عليه أن يتقدم بدراسة جدوى لمشروعه لا يزيد فيها العائد الداخلى على الاستثمار عن ٧% أو 8% فى الوقت الذى يمكن للبنك أن يقرض الدولة (قرضا مضمونا بضمان وزارة المالية نفسها) بعائد يزيد على ١٥%.. بالتأكيد لن يقبل البنك إقراض المشروع الصناعى إلا بضمانات إضافية من أراضٍ وممتلكات وعقارات ومشروعات أخرى، ونسبة أكبر من المعتاد من التمويل الذاتى. فمثلا لو كان المطلوب من البنك أن يمول المشروع الصناعى بنسبة ٧٠% مقابل 30% يتحملها مالك المشروع، فإن البنك يطلب أن تقتصر نسبة التمويل بالقرض على ٦٠% كى يقلل من مخاطر تعثر العملاء، مما يحمل رجل الصناعة بأعباء تفوق احتمال غيره من المقترضين.
لذلك فالمصنعون فى مصر أشبه بالمنتمين إلى الطوائف فى عصور غابرة. الحدادون والنجارون والنحاسون.. وغيرهم من طوائف حرفية. معظمهم نشأ فى بيئة صناعية، وتربى على قيم الصبر والانتظار وتحمل الخسائر، وعدم الفرار أمام الصعوبات. يقيمون مصانعهم بكل ما يمتلكون من مدخرات، يتأخر إثمار المشروع سنوات، لكنهم بعد صابرون. لا يعرف قيمة الصناعة إلا من هيئه الله لذلك. فلا تعجب أن الله قد هيأ القضاة لمهام الفصل فى المظالم بتجرد ونزاهة، وهيأ الأطباء لكتم أسرار مرضاهم وستر عوراتهم والمخاطرة بمخالطتهم مع ارتفاع فرص العدوى... لا تعجب إن كان الجندى يحمل روحه على كفه فداء لوطنه، يموت راضيا كى يحيا الآخرون، لا تزعجه حقيقة أن الحياة التى يقدمها لمواطنيه هو أول من يحرم منها.. الناس يتهيَّئُون لرسالات الفداء والتضحية وإعمار الأرض بصور مختلفة، وفى مراحل وعبر محطات وأسباب متفاوتة. الأمانة التى يحملها صاحب الرسالة وإيمان الآخرين بها تكفل هذا التفرد الذى لا يفهم أسراره إلا من حمل الأمانة وأدى الرسالة.
لا تعجب إذن إذا صمد الأطباء أمام مخاطر فيروس كورونا، وسجلت البشرية نماذج للتضحية والفداء قل نظيرها خلال هذا الطاعون الجديد. لا تعجب إذا استمر رجال الصناعة، الذين جبلوا على الصمود أمام عواصف التغيير، ونواكب الخسائر وتقلبات الاقتصاد، وتراجع الطلب والمنافسة غير العادلة مع أنشطة الربح السريع والمشروعات الريعية.. لا تعجب إذا استمروا فى العمل ودارت ماكيناتهم متكفلين تدابير السلامة والوقاية لعمالهم، حتى وإن اضطروا إلى العمل بنصف القوة أو ربعها فى كثير من الأحيان... حتى وإن أغلقوا أبواب مصانعهم بغرض حماية الأرواح، فإن أحدا من عامليهم لم يشعر أنه كالمنبت، أو أن رب العمل قد استغنى عن خدماته تحت وطأة الخسائر. العمال فى مصانعهم كالجسد الواحد، فإذا انصهر فيهم أصحاب المال، وتماهت أحلامهم فى خدمة محاريبهم الصناعية، كانوا بذلك كتلة صلبة، كيانا واحدا فى العسر واليسر.
***
لا أقصد بتلك الكلمات أن أميز فئة عن فئة، أو أزكى عملا عن عمل، فمن خلص عمله فى عمارة الأرض فى أى مجال ينفع الناس، فقد حق له أن نجله ونوقره. لا غنى لنا عن المهندسين والأطباء والمعماريين والاقتصاديين والساسة وأصحاب الرأى... لا غنى عن المعلمين وكل من يغذى العقل بغذاء طيب، بل لا غنى عن كل من يغذى الروح ويمتع النفس ويحرك الوجدان بسلعته من غناء وتمثيل وصنوف الإبداع... الخوف فقط من أن تغرك أرزاق أصحاب بعض المهن، وتحملك على تقدير «قيمة» كل عمل بأجره من المال. الخوف من أن يقتصر تخصيص الموارد البشرية ــ فى بعض المجتمعات ــ على المهن والصناعات التى تحقق ربحا سريعا وعائدا استثنائيا، حتى لا تجد المهن الأخرى من يمتهنها، أو يُنظر إليها نظرة دونية، تفرغ مسالكها من المبدعين، وتترك لها فقراء الخيال وقليلى الحيَل. الخوف كل الخوف من أن تنظر إلى ما يحققه نجوم هوليوود من ثروات، باعتباره المؤشر الوحيد على الإجادة والتميز وتحقيق الذات وتقديرها.
حتى وإن أدركت الفرق بين الثمن والقيمة، فإن أثمان بعض النجوم لا تحددها طبيعة العمل الذى يؤدونه وحسب، بل تحددها ندرة الأداء، والطلب المتزايد على مهارتهم من دون الناس. مقابل الندرة هو ما جعل الألماس أغلى ثمنا من الماء، ذلك لأن الماء وفير فى أرض الله وبفضله، أما الألماس فشحيح ولا يملك ثمنه إلا المترفون، هذا مطلوب للحياة وذلك للزينة، لكن قطرة ماء واحدة أغلى من كل كنوز الأرض، بالنسبة لمن ضل طريقه فى الصحراء وانقطعت عنه أسباب الحياة.
ماذا لو أصبح الجميع ممثلين؟ يزيد المعروض من خدمات هذا الفن على طلب الناس. يظهر خلل كبير فى المعروض من أصحاب المهن الأخرى. يتزاحم الفنانون، بل وتتراجع ندرة مُبدعيهم مع زيادة فرص اكتشاف مهارات استثنائية كل يوم، حتى يصبح أجر الفنان «ويل سميث» عن فيلمه الجديد أقل كثيرا من أجرة سباك ماهر أو حداد يتقن صنعته فى حى شعبي!.
ماذا لو نظر كل ذى مال إلى أكثر المشروعات الاقتصادية تحقيقا للربح وصب فيها أمواله صبا؟ يكون أثر المزاحمة مدمرا لهذا النوع من المشروعات. يفيض معروض إنتاجه على حاجة المستهلكين. يختل ميزان الأسواق حتى يرتفع العائد على الاستثمار فى أنشطة ومشروعات بديلة، فيتحول لها أصحاب رءوس الأموال بالتمويل وبالملكية ريثما ينشأ وضع توازنى جديد. على أية حال سيظل إيراد الصناعة أقل من السياحة فى الأوضاع الطبيعية. لكن خدمات السياحة والترفيه اليوم تكسد بهزة واحدة، الفنادق خاوية على عروشها، ودور عرض الأفلام تغلق لأجل غير مسمى، أما المصانع والمزارع وكل ما اتصل إنتاجه بموارد حقيقية ومدخلات وعناصر إنتاج محلية، وأدى إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، فإنها تصمد أمام الجائحة أمدا أطول، وتحقق للمجتمع استدامة لنشاطه الاقتصادى، وتدعم نمو ناتجه الإجمالى (وإن كان معززا بالاستهلاك لا بالإنتاج فى غالب الأحوال).
فكر دائما فى الصناعة كوثيقة تأمين ضد مخاطر ربما لا تتحقق خسائرها إلا مرة واحدة فى العقد، لكن عند تحققها فإن بقاء الدولة مرهون ببقائها. فكر فى الصناعة كأنها آلة عسكرية لجيش قوى لا يتمنى أحد أن يستخدمها، لكن أهداف الردع وتحقيق معادلة الأمن تبرر وجودها ورفع كفاءتها مهما علت التكاليف. فكر فى الصناعة كأنها مهنة مهجورة، وعمل يميل إلى الزوال، إذا لم يجد دولة تسانده حكومة وشعبا.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات