طعم الكلام «سماء قريبة من بيتنا».. حكايات اللجوء والحنين - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


طعم الكلام «سماء قريبة من بيتنا».. حكايات اللجوء والحنين

نشر فى : الخميس 21 أبريل 2016 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 21 أبريل 2016 - 9:35 م
ترسم رواية «سماء قريبة من بيتنا» للروائية شهلا العجيلى (قائمة البوكر القصيرة) لوحات مؤثرة حقا لحشد هائل من الشخصيات، وتستدعى ثنائية اللجوء والحنين، على خلفية الحرب السورية، وكأنها تحافظ على بقايا الذاكرة، قبل أن يجرفها الفناء. هنا أبرز نقاط القوة، وأهم ما يترك فيك انطباعا، رغم أن خريطة الشخصيات قد زادت وفاضت بشكل لافت.

ولكن الرواية الصادرة عن (منشورات ضفاف ومجاز والاختلاف) تتضمن فصولا أخرى أراها تصلح أن تكون عملا مستقلا، لم تقنع شهلا العجيلى بأن تكون بطلتها مغتربة تطاردها نوستالجيا الزمن المفقود فى سوريا، وتجد نفسها بحكم العمل فى قلب مأساة اللاجئين وهى فى الأردن، ولكن جعلتها تعانى على مدى العام ونصف العام فى قتال السرطان والانتصار عليه. هى فصول مؤثرة أيضا، ولكنى أراها قد نقلت الحرب إلى سياق آخر داخلى وخاص، جملة اعتراضية طويلة، جميلة وهامة، ولكنها أثرت بالقطع على تماسك الرواية.

«سماء قريبة من بيتنا» بورتريهات لشخصيات بامتياز، فيها حشد هائل منها، هناك تداخل عرقى مقصود، وكأن الكاتبة تريد أن تنطلق بثنائية اللجوء والحنين والرغبة فى العودة إلى الجذور إلى آفاق إنسانية عامة، ولولا أن الساردة تمسك بكل تلك الخيوط، لانفرط العقد، خاصة أن الماضى هو الأكثر حضورا، تقريبا لا شىء يدفع الأحداث للأمام، سوى مرض البطلة بالسرطان، وهو سياق آخر كما أو أوضحت.

لدينا أيضا خيط محورى هو علاقة حب بين الساردة «جُمان سُهيل بدران» السورية التى تعمل لحساب منظمة هولندية، والتى تخصصت فى الأنثروبولوجيا الثقافية، وناصر ذى الأصل الفلسطينى/ السورى والمتخصص فى شئون المناخ، الاثنان تجمعهما عمّان، ولهما ذكريات فى حلب، بل إن أسلافهما كانوا يسكنون فى مناطق متجاورة. جاءت جُمان إلى عمّان ومعها إحساس بالذنب بسبب علاقة عاطفية قديمة، وبسبب تركها لأسرتها فى مسقط رأسها بالرقّة السورية تحت سيطرة إمارة داعش، وجاء ناصر ومعه حكاية طلاقه من زوجته الأمريكية، خبيرة السلاحف والأحياء البحرية، التى تركته وأولادهما فى سن الشباب.

خيبات العاطفة والوطن تجمع بين جُمان وناصر، ولكن جُمان تعيش طول الوقت فى الماضى الحاضر دوما فى خيالها، بل لقد بدا فى مناطق كثيرة من السرد، أن حكايتها مع ناصر مجرد محفّز لركوب عجلة الزمن، واستدعاء الشخصيات من صناديقها، وعبر حقبة زمنية طويلة: من سنوات ما بعد الاستقلال فى أواخر الأربعينيات إلى عصر تفكك الدولة السورية، وسنوات الحرب الحالية التى لم تتم فصولا بعد.

ما بين الرقة وحلب بالأساس تستدعى شهلا العجيلى تحولات الشخوص والأماكن، وفى معسكر اللاجئين السوريين بالأردن تلتقى بطلتها جُمان بنماذج إنسانية تعيد إليها الإحساس بالمأساة. تدين شهلا العجيلى من وراء قناع جُمان جميع الأطراف خصوصا فيما يتعلق بمأساة الرقة، يسأل ناصر حبيبته جُمان: «أىُّ فصيل هو أفضل؟»، فترد عليه: «كلهم أسوأ من بعض، ضحايا صاروا جلاّدين، أو منتفعين بعضهم كانوا من صلب النظام وارتزق منه سنوات، ثم انقلب عليه، وبعضهم مرتهنٌ للخارج، وهناك الفقير والجاهل والمغيّب..».

وفى موضع آخر تقول جُمان عن مأساة الرقّة: «ربما هى الطيبة، والفقر، والتجهيل، والتهميش، والفساد والإفساد، ذلك كلّه ولّد ذلك العنف، وفتح سكة للهروب إلى منقذين لم يختبروا بعد. لماذا ينسحب الجيش، ومظاهر الدولة من مكان قاوم التهميش بأن وجد آلياته الممتعة للعيش؟ انفتح على بعضه فى علاقات عائلية، فيها بساطة ووداد، ولبّى رغبته فى حب الحياة بالسهر، والطرب، والطعام، والخمر والشعر، الرقيّون يُصبّحون على بعضهم بالعتابا والموليّا، وينامون على سيرة أبى ليلى المهلهل، كيف سيتحوّلون إلى مجتمع طالبانى! النساء لن يحتملن ذلك، لن يحررهنّ أحدٌ لأنهن حرّات بالفطرة، حُرّات بلا أيديولوجيا ولا نظريات، يمشين بطلاقة سهام عقدت صداقة أبدية مع الريح، يرتدين اللباس بعيدا عن قواعد التراث والمعاصرة، ويُهرعن إلى وظائفهن المتواضعة بالمظهر ذاته الذى يمكن أن يقابلن فيه رئيس الجمهورية».

تمثل عائلة جُمان كل الأفكار والاتجاهات، وتتسع خريطة الشخصيات لتستوعب كل التحولات، والد جُمان مثلا، مهندس الإنشاءات الذى عاد إلى وطنه، حالما أن يعيد بناءه، أصبح شاهدا على الخراب والدماء فى الرقة. تقابلنا محسوبيات النظام الحزبى العنيف، وصدامات أوائل الثمانينيات الدامية بين الأسد الأب وجماعة الإخوان المسلمين، يتحول البعض من التحرر المنفلت إلى التدين المتزمت، ويصبح شتات اللاجئين السوريين ترجمة لشتات الأفكار والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من الأربعينيات حتى اليوم.

متميزة حقا شهلا العجيلى فى رسم الشخصيات بكل تفاصيلها وألوانها، هى فيما يبدو تستمتع بذلك، فلا تجد فرصة إلا وسارت خلف الشخصيات، توثّق دقائق حياتها، وكأنها تصنع لها سيرة ذاتية، كان ذلك فى موضعه فى كثير من الحالات، وإن لم يمنع الكثير من الاستطرادات.

جُمان، كما قدمتها الرواية، تستدعى السماء فى الطفولة، تحلم بأن تصعد اليها من خلال سلالم أو حبال، وعندما تصبح شابة، تريد أن تجد من خلال السماء تفسيرا للفوضى التى عاشها الوطن، تنجح جُمان، بعزيمتها وبدعم ناصر وحبه، فى تدمير الورم السرطانى، بعد علاج كيماوى مؤلم، لا تنغلق أقواس علاقتها مع ناصر ابن المناضل الفلسطينى، لقد سافر إلى أمريكا لحضور حفل زفاف ولده، لا تريح الرواية القارئ بنهاية سعيدة تحل لدى جُمان مشكلة الحنين واللجوء، تقف فى نهاية الرواية أمام مركز السرطان، المكان الوحيد الذى انتمت إليه، ولكن السماء موجودة، هناك إذن بعض الأمل: «أغصانُ الصفصاف انثنتْ من شدة الهواء حتى لامستْ رأسى، ثم انفرجتْ ففاجأتنى قبةُ السماء وقد انجلتْ لعينى شيئا فشيئا، وحين انطفأ صفٌ من الأضواء فى أحد طوابق المركز، صارت النجوم أكثر لمعانا، وبدا كل شىء محتوما، الألم، والموت، والشفاء. السماء هنا قريبة، قريبة جدا، ولا تحتاج إلى سلالم أو حبال».

نهاية مفتوحة أقرب إلى التفاؤل: لا يقين من عدم عودة السرطان، ولا يقين من نهاية الحرب، ولا يقين من عودة اللاجئين، ولا يقين بأن الزواج سيحدث بين جُمان وناصر، فيصنعان أسرة فى الشتات، ولكن السماء الآن أصبحت قريبة.

هذه رواية تمتلك مادة إنسانية هائلة، وحنينا مدهشا للبشر وللأماكن، ورؤية عامة متجاوزة للجنسيات والأعراق، ولكن بناءها كان فى حاجة إلى الكثير من الضبط، والتخفف من أثقال الاستطراد، وشهوة رسم البورتريهات، اكتظت اللوحة أكثر مما ينبغى، وازدحمت الوجوه، وبدا أن الرواية لن تتوقف أبدا.
مشكلة رواية «سماء قريبة من بيتنا» الواضحة للغاية هى أن طاقة الفضفضة ومادة الحياة ظلت دوما أقوى بمراحل من قدرة الفن على تحويلها إلى حياة موازية، لها شكلها وجمالها الخاص.
التعليقات