«المُذنِب».. أن تنقذ الآخر فتنقذ نفسك! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«المُذنِب».. أن تنقذ الآخر فتنقذ نفسك!

نشر فى : الخميس 21 مارس 2019 - 11:40 م | آخر تحديث : الخميس 21 مارس 2019 - 11:40 م

يُحقق الفيلم الدنماركى «المُذنب»، الذى أخرجه واشترك فى كتابته جوستاف موللر، نجاحُه الفنى فى اتجاهاتٍ متعددة، فى وقتٍ واحد، وبامتيازٍ رفيع المستوى: إنه فيلم تشويق وإثارة، يقوم فيه رجل النجدة بإنقاذ ما تبقى من عائلة، ولكن يمكن قراءة الفيلم فى نفس الوقت كدراما نفسية؛ لأن هذا الرجل يقوم برحلة تطهره من ذنب ارتكبه، فكأنه يتخلص من معاناته الداخلية، عن طريق تخليص الآخرين من معاناتهم.
الفيلم يجمع أيضا بمهارة بين أمرين فى منتهى الصعوبة، فأهم ما يحدث فى الدراما نسمعه ولا نراه، ولكن ذلك نصف الحكاية، إذ تنعكس التفاصيل على وجه شرطى النجدة الذى يستقبل مكالمة الاستغاثة، وتترجم الإضاءة، وأحجام اللقطات، وأداء بطل الفيلم كل التعبيرات المطلوبة، فكأننا لا نشاهد ما يحدث، وإنما يتحقق التأثير بلقطات رد الفعل، نسمع الجرائم والأحداث، ولكننا لا يمكن أن نغمض أعيننا عن المشاهدة؛ لأننا نتخيل ما يحدث عبر وجه رجل النجدة، وهو فى الحقيقة تأثير مضاعف؛ لأنه نتيجة خيالنا فى ترجمة ما نسمع، ومعاناة بطلنا الماثل أمامنا فى كل لقطة تقريبا، هو فى الواقع مندوبنا ــ نحن ــ داخل الفيلم.
فى مستوى ثالث، هناك نجاح آخر مميز ولامع، إنه الجمع بين صعوبة إدارة الممثلين، وكسر الملل فى مكان واحد، هو مكان شرطة النجدة، ورحابة الصوت الناتجة عن تعدد أماكن الاتصال، من السيارة إلى منزل الأسرة، إلى بيت الزوج، إلى سيارات الشرطة، التى تحاول مطاردة سيارة بيضاء، من المتوقع أن تحتوى على رجل خطف زوجته السابقة، ويفترض أنه يهددها بالقتل.
المكان فى الفيلم ليس محدودا؛ لأن ما تقيده الصورة، يطلقه الصوت، وغياب الجريمة وصور الشخصيات المتصلة وأماكنهم، جعل لدينا جرائم وصور وشخصيات وأماكن بعدد المشاهدين وخيالهم.
هناك فيلم أمريكى أُنتج عام 2013 بعنوان «the call» أو «المكالمة» بطولة هال بيرى، ويتناول أيضا قيام شرطة النجدة بإنقاذ مراهقة مخطوفة، ولكن هذا الفيلم لا يتقيد بمكان واحد، ولا يظهر شخصية مسئولة النجدة وحدها.
كان من السهل على فيلمنا الدنماركى أن يقطع بين الضابط والزوجة والطفلة والسيارة.. الخ، بل كان من السهل أن يُقسم الشاشة لنشاهد الضابط والطرف الآخر من الاتصال فى نفس الوقت، ولكن فيلمنا أكثر ذكاء؛ لأنه يريد أن يطلق خيال مشاهده، وأن يجعله محجوب الرؤية البصرية تماما مثل الضابط إيسجر هولم.
الفيلم أساسا عن الضابط، ولذلك يريد أن يجعلنا معه حرفيا داخل مركز النجدة، وأن نعانى معاناته، سواء فى اكتشاف حقيقة الجريمة، أو فى التطهر من ذنبه الذى ارتكبه، يريد الفيلم أن نكتشف بالتدريج الحقيقة الرمادية المراوغة، وأن نكتشف أيضا تعقيد الطبيعة الإنسانية، سواء فيما يتعلق بتركيبة شخصيا الأسرة المختلفة، من الزوج والزوجة إلى طفلتهما ماتيلدا، أو سواء فيما يتعلق بنفسية الضابط، ونفسية صديقه الضابط رشيد.
ما كان لهذه النجاحات أن تتحقق لولا هذا الإتقان الحرفى رفيع المستوى فى كل العناصر تقريبا، بداية من السيناريو بالتأكيد، إلى الإخراج الذى استفاد من كل العناصر، وخصوصا أداء الممثلين وعناصر الصورة والإضاءة، التى تعبر فى كل مشهد عن حالة بطلنا النفسية: ينقسم وجهه مثلا بين النور والظلام فى ساعات الشك، بينما يسود النور الأحمر المكان عند اقتراب الخطر، وهناك بالتأكيد شريط الصوت بكل عناصره، تقريبا كانت سماعات الأذن على آذاننا نحن، وليست على أذنى الضابط هولم فحسب، وعلى الرغم من براعة جاكوب سيديرجرين فى دور هولم، فإن الأداء الصوتى لجيسيكا دينجا فى دور إيبين كان عظيما، وأكثر صعوبة؛ لأن الشخصية شديدة التعقيد والغرابة، وهى مفتاح الدراما كلها.
فيلم «المذنب» ليس مجرد قفزة مدهشة فى عالم أفلام الإثارة والتشويق فحسب، إنه أعمق وأهم من ذلك بكثير، حكايته ليست عن الخارج، ولكنها عن لغز الطبيعة البشرية، ومعركتها الداخلية مع جنونها، وهواجسها وشراستها. ينتهى الفيلم وهولم يجرى اتصالا، جسده مظلم «سلويت»، لعله سيكمل رحلة التخلص من الذنب، أنقذ بقايا عائلة، فأنقذ فى الحقيقة بقايا نفسه.

التعليقات