هل ينجح أردوغان وتفشل تركيا؟ - علاء الحديدي - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 11:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل ينجح أردوغان وتفشل تركيا؟

نشر فى : الثلاثاء 21 مارس 2017 - 11:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 مارس 2017 - 10:38 م
مع اقتراب موعد الاستفتاء فى تركيا على تحويل النظام البرلمانى الحالى إلى النظام الرئاسى، ومع توقع نجاح رجب طيب أردوغان فى الحصول على الأغلبية المطلوبة، فإن السؤال الذى يجب أن يطرح بعدئذ هو ما هو المسار الذى ستتخذه الدولة التركية تحت قيادة أردوغان فى الفترة القادمة!!

ومن أجل الإجابة على هذا السؤال يجب علينا أولا فهم أسباب التأييد الشعبى الذى يحصل عليه أردوغان، وكيف تمكن من الحفاظ على هذا التأييد منذ وصول حزبه (العدالة والتنمية) إلى الحكم فى بداية عام ٢٠٠٣، أى منذ أربعة عشر عاما تقريبا؟.

كانت البداية فى أعقاب أزمة اقتصادية طاحنة شهدتها البلاد قبل انتخابات ديسمبر ٢٠٠٢، تزامنت مع أحداث عنف وإرهاب يقوم بها حزب العمال الكردستانى فى سبيل الاعتراف بحقوق الأقلية الكردية فى جنوب شرق البلاد. ولذلك وضع أردوغان نصب عينيه هدفين لا ينفصلان عن بعضهما البعض، الهدف الأول كان تحقيق نمو اقتصادى يخرج تركيا من أزمتها الاقتصادية، والهدف الثانى تحقيق مصالحة وطنية مع الأقلية التركية يجرد بها حزب العمال الكردستانى من بيئته الحاضنة وسط الأقلية الكردية.

وبالفعل، نجح أردوغان فى النهوض بتركيا اقتصاديا بمتوسط معدل نمو بلغ ٤.٦٧ ٪ حتى عام ٢٠١٦، وكانت الذروة فى عام ٢٠١١ بعد أن حقق ثانى أعلى معدل للنمو فى العالم بعد الصين. وعليه أصبحت تركيا تحتل المرتبة السابعة عشر من حيث حجم الاقتصاد على مستوى العالم. أما فيما يتعلق بملف المصالحة الوطنية مع الأكراد، فقد استطاع التوصل إلى هدنة مع حزب العمال الكردستانى، الأمر الذى أدى إلى توقف أعمال العنف، وبدء عملية اعتراف تدريجية ببعض مطالب وحقوق الأقلية الكردية.

ومع التسليم بأن العديد من السياسات والعوامل ساهمت فى تحقيق هذا النجاح، إلا أنه تجدر الإشارة إلى عامل مشترك ساعده على النجاح فى هذين الملفين، هو الخطاب المحافظ اجتماعيا ذو النكهة الإسلامية والمؤمن بالديمقراطية والذى تبناه أردوغان، ليطرح نفسه للأوروبيين بديلا عن الإسلام المتطرف والنظم الديكتاتورية، وللأكراد بديلا عن التيار القومى المتشدد. وهكذا تسارعت وتيرة المفاوضات مع بروكسل حول طلب انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبى، وتم تنفيذ ما طلب من إجراءات وتشريعات فى الفصول الـ ٣٥ التى تشمل معظم أوجه النشاط فى الدولة. ومع تنفيذ الإصلاحات المطلوبة واستيفاء المعايير اللازمة للانضمام للاتحاد الاوروبى، حصل أردوغان على الدعم الاقتصادى من خلال تدفق الاستثمارات الأوروبية، كما حصل أيضا على الدعم السياسى الذى عمل على توظيفه داخليا لتحجيم المؤسسة العسكرية، وخارجيا فى تحسين صورة الحزب باعتباره إصلاحيا منفتحا على العالم.

وقد شهدت بنفسى حين كنت سفيرا فى تركيا بين أعوام ٢٠٠٧ــ٢٠١٠ مدى حرص اردوغان شخصيا على دعم صورة تركيا المنفتحة أمام الأوروبيين. وكان من بينها حفل إفطار فى رمضان للسفراء المعتمدين فى أنقرة بدعوة من أردوغان بمقر حزب العدالة والتنمية، وتخلل الإفطار قيام فرقة موسيقية تركية بعزف موشحات أندلسية بجانب ترانيم يهودية ومسيحية، وكانت الفرقة تضم مسلمين ومسيحيين ويهودا، وكانت الرسالة واضحة لسفراء الاتحاد الاوروبى.
وبالنسبة للمسألة الكردية، نجح أردوغان فى جذب أكثر من نصف الناخبين الأكراد إلى حزب العدالة والتنمية باعتباره حزبا محافظا بمضمون اسلامى، بما يمكن الأكراد من الاندماج فيه مع أقرانهم الأتراك تحت عباءة الهوية «الاسلامية» التى يمثلها الحزب.
إلا أن الرياح لا تأتى دائما بما تشتهيه السفن، فالنمو الاقتصادى بدأ فى التراجع، والمعارضة من قبل القوميين لأية تنازلات جديدة للأكراد أوقفت عملية المصالحة، فأدى كل هذا ــ مع أسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها ــ إلى فقدان حزبه للأغلبية البرلمانية فى انتخابات يونيو ٢٠١٥ وتراجع نسبة المؤيدين له إلى ٤١٪.

خلص أردوغان من هذه الانتخابات إلى نتيجة مفادها أنه إذا أراد تحقيق طموحه الشخصى فى زعامة العالم الإسلامى خارجيا وإحكام قبضته على مؤسسات الدولة المختلفة داخليا، فإن عليه عدم الرهان على جذب الأصوات الكردية كما كان يفعل سابقا، خاصة مع نجاح حزب الشعوب الديمقراطى الوليد بزعامة صلاح الدين ديمرطاش فى الحصول على ١٢٪ من الأصوات اعتمادا على العديد من الأكراد المؤيدين لأردوغان، بجانب أصوات الأقليات الاخرى. وبناء عليه، تعمد حزب العدالة والتنمية المراوغة والتهرب من تشكيل حكومة ائتلافية وإفشال المفاوضات، فى ذات الوقت الذى انهارت فيه الهدنة مع حزب العمال الكردستانى فى شهر يوليو. وبدأ أردوغان وحزبه فى العمل على استنفار المشاعر القومية المتطرفة، الأمر الذى أدى إلى تصاعد وتيرة العنف بشكل متصاعد. وهكذا نجح أردوغان فى كسب أصوات القوميين عوضا عن الأصوات الكردية التى فقدها واستعاد الأغلبية البرلمانية مرة اخرى فى انتخابات نوفمبر من نفس العام ( ٢٠١٥) بحصول حزبه على ٤٩.٥٪ من الأصوات وتراجع نسبة المؤيدين لحزب الشعوب الديمقراطى إلى ١٠.٧٪.

ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة فى يوليو ٢٠١٦ على خلفية التوتر بين أردوغان وحليفه الداعية الإسلامى فتح الله جولن، وما صاحب ذلك من انخفاض معدل النمو إلى ٢.٥٪ وفقدان الليرة لنحو ثلث قيمتها، ليتخلى أردوغان عن خطابه المنفتح الديمقراطى الإصلاحى التصالحى لصالح خطاب قومى متطرف مع مضمون شعبوى إسلامى، واتجاه واضح للتحالف مع التيار القومى التركى الذى يمثل نحو ١٢ إلى ١٤٪ من الناخبين، ليتمكن من الفوز فى الاستفتاء القادم حتى لو كان ذلك على حساب علاقته مع الاتحاد الأوروبى وهى العلاقة التى ساءت كثيرا ومازالت فى تدهور مستمر، الأمر الذى استغله أردوغان أيضا لتأجيج المشاعر القومية وكسب المزيد من المؤيدين.

لا شك أن نجاح أردوغان فى الاستفتاء القادم سيعد انتصارا كبيرا من قبل مؤيديه، ولكنه سيكون انتصارا على أسس مختلفة تماما عن تلك التى أدت إلى نجاحه فى السنوات العشر الأولى من حكمه، حيث سيكون نجاحا على حساب تركيا الديمقراطية المنفتحة على الداخل والخارج والمتصالحة مع نفسها.

 

التعليقات