ليلى مراد - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 10:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

ليلى مراد

نشر فى : الخميس 21 فبراير 2019 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 21 فبراير 2019 - 10:00 م

عندما جئتُ إلى هذه الدنيا كانت ليلى مراد على وشك الاعتزال، وفي المقابل كان عبد الحليم حافظ هو نجم المرحلة فتعلق به كل جيلنا. لم يستطع صوت ليلى مراد الملائكي أن يعبر بسلام من عصر الملكية إلى العصر الجمهوري، والعبور الذي أقصده هنا هو العبور السياسي، أما العبور الفني فهو متحقق عبر الأجيال بكل السلاسة الممكنة. من هذه الزاوية اختلفت ليلى مراد عن محمد عبد الوهاب وأم كلثوم اللذين تغني كلاهما بمآثر نظامين سياسيين لا يجمعهما شيء.
***
لم أعاصر ليلى مراد إذن في عزّها لكني أحببتها قبل أن أحب صوتها من حكايات أمي عنها، كانت ليلى مراد رمزا للأناقة بالنسبة لسيدات الطبقة الوسطى، فساتينها السواريه السوداء والبروش الألماظ يرصعها، أظافرها الطويلة وأحمر شفاهها القاني وشعرها المموج ورقتها بلا منتهى، تفاصيل صغيرة مثل الفسيفساء رسمت أبعاد شخصية ليلى مراد في مخيلة ابنة الخمسة أعوام. وعندما قُدّر لي لاحقا أن أقع في غرام صوتها لم أستطع التخلص أبدا من هذه الصورة النمطية التي رسمتها لي أمي عن ليلى مراد، فلم أحب شخصيتها في أفلام ليلى بنت الفقراء أو ليلى بنت الريف فهذه ليست صورة ليلى مراد التي أعرفها، ليلى مراد هي الهانم الصغيرة ابنة الباشوات في غزل البنات وليلى بنت الأكابر وليلى بنت الأغنياء. وهي المُدرسة ابنة مرسى مطروح التي كانت تملك من رقي الذوق ما جعلها تتأقلم بسرعة مع الطبقة الأرستقراطية في فيلم شاطئ الغرام، حتى إذا أعدت لها عمة زوجها فخاَ لتحرجها أمام أولاد الذوات، توهجت وتألقت وصدحت برائعتها يا أعز من عيني جلبي لجلبك مال. ومن يومها ونحن نتغنى بالجملة الشهيرة التي قالها استيفان روستي لميمي شكيب في هذا الفيلم "دي الحفلة اللي شورتي بيها، دي اللي كنتي عاوزة تهزئيها اللي ما في حد ما أعجبش بيها."
***
مثلما تتهيأ خشبة المسرح لاستقبال نجوم العرض المسرحي، بدا أن مصر كانت تتهيأ لاستقبال نجومية ليلى مراد في ثلاثينيات القرن الماضي. كان حزب الوفد قد ضخ أفكارا ليبرالية معتبرة في شرايين المجتمع المصري، وأتت عودة المبتعثين من أوروبا ثمارها علماَ ونوراَ، وسمح هذا المناخ الحر بأن تتفتح على أرض المحروسة عشرات الزهور تختلف في الدين والأصل وتشترك في الموهبة. من قبل أن نسمع عن العولمة وذوبان الحدود والمسافات، كانت مصر قد عولمت فنها فإن أنت طالعت تترات الأفلام في هذا الحين أدهشك أن تجد أسماء لمصريين وشوام وأرمن ويونانيين وطلاينة.. مسلمين ومسيحيين ويهود، وأن تجد هذا التنوع البديع ينعكس علي عناوين أعمال من نوع حسن ومرقس وكوهين، أو أغنيات من قبيل فاطمة وماريكا وراشيل دول جوه القلب كوكتيل، كانت مصر حلوة. هكذا تلقفت الحياة الفنية المصرية صوت ليلى مراد الملائكي، صوت يجعلك ترقص الڤالس علي موجاته في أنا قلبي دليلي قاللي حاتحبي، وتتصوف في حبك وتتبتل مع ليه يا عين ليلي طال. صوت تتحرق معه شوقا لصحبة الرايحين للنبي الغالي، ويزغزغك بلطف في اضحك كركر اوعي تفكر. صوت يغنّي للميه والهوا، للطير والخيل، للعيش والملح، يبيع الورد ويكلم القمر. لم تكن موهبة ليلى مراد تحتاج أكثر من انفراجة بسيطة لشفتيها حتى يخرج صوتها عذبا شجيا وكأن كل حبل من أحباله بمثابة آلة موسيقية، فهذا كمان وذاك عود أو هارْب أو تشيللو وتلك قيثارة. لست تحتاج أن تكون متخصصا لتكتشف جماليات صوت ليلى مراد، فللجمال سلطان ينتزع اعترافك عنوة ويرغمك على تذوقه. لم يكن صوت ليلى يشبه أيا من الأصوات التي سبقتها كصوت منيرة المهدية، أو أصواتا عاصَرَتها لفترة قصرت كصوت أسمهان أو فترة طالت كصوت أم كلثوم، صوت ليلى مراد هو صوت ليلى مراد .
***
وكما يحدث عادة مع كل جميل، آذى صوت ليلى مراد آذان البعض.. لا بل إنه آذى نفوسهم التعسة، قالتها فيروز صراحة في حب بيروت ست الدنيا: نعترف أمام الله الواحد نعترف.. أنّا منك كنا نخاف وكان جمالك يؤذينا، يا سبحان الله! كأن حنجرة ليلى مراد وشجرة الأرز صنوان، فكما كان تنوع لبنان هو المنفذ لاحتراب أهله بلا هوادة كان دين ليلى مراد هو المنفذ لإعلان الحرب عليها. قالوا إنها يهودية.. وماذا في ذلك؟ أضافوا إنها تتجسس لحساب إسرائيل. أما أنها كانت يهودية فهذا صحيح، وأما أنها كانت أداة لإسرائيل فتلك تهمة نفاها عنها أحد الضباط الأحرار أنفسهم. هل اعتنقت من بعد دين الأغلبية أم لم تعتنقه؟ شيء لا يعنيني ولا يجب أن يعنينا جميعاَ، ففي الحكم على جماليات الصوت تحضر المقامات الموسيقية والطبقات وحساسية التعبير وسلامة المخارج ، ويغيب كل ما عداها.
***
في ذكرى ميلادك يا ليلى في ١٧ من هذا الشهر.. شهر فبراير، أتمسح في برج الدلو لأنه برجك، أستحضر روحك وأحاول الإمساك بها ولو أن هذا صعب جدا، فمن قبل حاولَت بطلة مسلسل قلبي دليلي أن تمسك بتلابيبك وكانت بعيدة عنك بعد الأرض عن السماء، وهذا هو بالضبط الفرق بين الفن المطبوع والفن المصنوع، وتلك قضية كبيرة يتجادل فيها النقاد. ومع ذلك فإن ثمة أمل، نعم ثمة أمل في أن يهب علينا نسيمك يا ليلى في شهر فبراير.. شهر ميلادك، وياما أرق النسيم .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات