من يُهنئ إيڤلين؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 6 مارس 2021 7:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

من يُهنئ إيڤلين؟

نشر فى : الخميس 21 يناير 2021 - 7:55 م | آخر تحديث : الخميس 21 يناير 2021 - 7:55 م

لأول مرة يمر عليها صباح ٧ يناير ولا تهنئ صاحبة عمرها بالعيد، أحست بمرارة في حلقها اختلطَت بمرارات أدوية ما بعد الإفطار وهمّت بأن تطلب من معاونتها أن تسقيها وتراجعت، هي لا تريد شيئا من وجهها حتى الآن على الأقل. كانت تتحين تهنئة إيڤلين كما كان يحدث كل عام وتهيئ روحها لتلقي شحنة المحبة والشوق والامتنان التي تأتيها عبر الأثير حتى حدث معها ما حدث. حرمتها ابنتها والمعاونة الخبيثة من هذه البهجة التي كانت تُشعرها بأنها فعلت شيئًا عظيمًا لمجرد قولها: كل سنة وانتِ طيبة يا إيڤلين وموريس والأولاد طيبين. الآن ماذا تظن فيها إيڤلين؟ لابد أنها ستقلق عليها، أحست بغصة وزادت مرارة حلقها، فلا هي قادرة على أن تبوح لصاحبتها بالسبب الحقيقي وراء تخلفها، ولا ذاكرتها تسعفها بسبب آخر بديل تصدقه إيڤلين، صرنا غلاظ القلب يا صاحبتي، صرنا غلاظ القلب.
***
لا تكاد نادية تذكر لها تاريخاً قبل ظهور إيڤلين في حياتها، هي ورثت هذه الصداقة عن أمها كما ورثت عنها أشياء أخرى كثيرة كطقم شاي الضيوف وبعض الأساور الذهبية وكتاب الطبخ الشهير لأبلة نظيرة. فتحت نادية عينيها فوجدت إيڤلين في بيتها ومدرستها ومختلطة بكل تفاصيلها. وبعد الثانوية العامة لم يكن من الممكن أبداً لها أن تنتقل من أسيوط للقاهرة وتقيم وحدها في المدينة الجامعية، لكن هذا الاحتمال صار ممكناً عندما وافقت أسرة إيڤلين على سفرها هي الأخرى، فالقلق شعور ثقيل يخفف منه قسمته على اثنين. وهكذا نالتا المراد وظفرتا بالحرية وسافرتا معاً إلى القاهرة وأقامتا في الغرفة نفسها، اختارت إحداهما دراسة الهندسة والأخرى اختارت العلوم لكنهما كانتا تتلاقيان في نهايات الأيام، تتمشيان أحياناً بحذاء حديقة الأورمان وتنحرفان يميناً في اتجاه شارع مراد وتعودان وقد تكلل رأساهما بتذكار محترم من أبو قردان الذي يسكن أعلى الأشجار القديمة، وتقطعان أحياناً أخرى كوبري الجامعة ثم كوبري قصر النيل ولا تشعران بنفسيهما إلا في ميدان التحرير فتهرولان مثل سندريلا صوب المدينة. كانت الحياة سهلة وممتعة، وقبل أن ينشغل المصريون بالتفتيش في ديانات بعضهم البعض ساد انطباع بأن الصديقتين مسيحيتان. ساعد على ذلك أن اسم نادية وكذلك اسم والدها كانا اسمين محايدين: نادية سلامة، على أي حال لم يكن هذا موضع اهتمام كبير. لكن بالتدريج اعتادت نادية على تذاكي المعارف وحتى الأغراب وهم يحاولون استدراجها لتفصح عن هويتها الدينية بسؤالها: نادية سلامة ماذا؟ أو نادية ماذا سلامة؟، وكانت تتلذذ بأن تدوخهم ولا تريحهم وتتركهم دون أن تُشبع فضولهم، ثم عندما ارتدت الحجاب في العام الأخير لها في الجامعة توقفت لعبة القط والفأر ولم يعد يسألها أحد.
***
عادة ما تحتل الصداقة مساحة كبيرة في المراحل المبكرة من حياتنا، تكون هذه الصداقة هي المساحة الحرة التي نتخفف فيها من سلطة الأهل، نصدّق أصدقاءنا وربما حتى لا نصدّق غيرهم، نبوح لهم بأدق أسرارنا ونداري على أسرارهم، نرتبط بهم وقد لا نتصور الاستمرار بدونهم، ثم بالتدريج يتغير الأمر فننشغل ونتورط في الحياة ونتبادل الأدوار مع أبنائنا، وهذا كان حال نادية وإيڤلين. تفرقت بهما السبل بعد التخرج والعمل والزواج والأولاد فلم تعودا تلتقيان إلا لماماً، تتواصلان بالموبايل على فترات متباعدة لكن تتبادلان المجاملة بانتظام في المناسبات.. كل المناسبات. صارت هذه المناسبات هي الحد الأدنى المتفق عليه- بشكل غير معلن- للتواصل فيما بينهما وما عداه يتغير حسب الأحوال. تدينت نادية أكثر وتدينت إيڤلين أكثر لكن دون تأثير على مجرى صداقتهما، فماذا حدث هذا العام وغيّر العادات المستقرة والمجاملات؟ الذي حدث أن نادية استيقظت صباح هذا اليوم وقد صار تليفونها قطعة من الحديد، لا يضيء.. لا يتصل.. لا يعمل.. لا شيء على الإطلاق. هذا التليفون هو نافذتها على العالم منذ لزمت الفراش، رقمه مع أمة لا إله إلا الله ورنينه على المشاع، تتابع منه الأخبار وتقرأ القرآن وتشغّل الأغاني الحلوة لأيام زمان. كان يدها اليمنى واليسرى أيضاً، حتى إذا سكت أحست بالعجز.
***
عندما طلبت نادية من ابنتها أن تتصل لها بطنط إيڤلين لتعيّد عليها كالمعتاد- ردت عليها كطلقة "سامحيني ما اقدرش"، ما تقدرش؟ نعم ما تقدرش. إن ادعت نادية أنها فوجئت برد ابنتها فإنها تبوح بنصف الحقيقة، فمنذ سنين وهي تلحظ تغير ابنتها تغيراً متزايداً كمثل هؤلاء الشباب الذي صنعوا لأنفسهم توليفة جهنمية من الأفكار العجيبة التقطوها من هنا وهناك واعتبروا أنها الدين والدين هي، طعام المسيحيين وصداقتهم قضية، تهنئتهم في الأعياد والدعاء لمرضاهم والترحم على موتاهم قضية، الكنائس والأجراس والقداس وطبعاً الزواج المختلط قضية وأي قضية. تظن ابنتها أنها على حق حتى وهي تقول لأمها "أُف" بالفم الملآن وتخذلها بضمير مرتاح، وهذا هو الجزء المتوقع وغير المستغرَب من الحقيقة. أما الجزء المفاجئ فهو أن الابنة لم تكتف فقط بإحراج أمها بل حرضت المعاونة على السلوك نفسه، حتى إذا سألت نادية معاونتها أن تطلب لها إيڤلين لتعيّد عليها كالمعتاد ردّت عليها في يقين كامل "حرام يا مدام". صرنا غلاظ القلب يا إيڤلين.
***
في انتظار أن تزورها جارتها في الطابق الأول لتساعدها في أداء المهمة "المستحيلة" وتطلب لها إيڤلين، أو في انتظار أن تشتري لها ابنتها تليفوناً جديداً فلا تعود تحتاج خدمة من أحد، أي الاحتمالين أقرب، ستتأخر نادية إذن في تهنئة صديقتها، ولشد ما تخجل من احتمال أن تأتي هي لتطمئن عليها.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات