المسئولية الشخصية فى قرارات الدول - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 18 سبتمبر 2019 9:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



المسئولية الشخصية فى قرارات الدول

نشر فى : الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 10:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 10:45 م
الالتحام التام بين الاقتناع الرسمى الأمريكى بشأن مستقبل مدينة القدس السياسى والدينى والجغرافى وبين الاقتناع الشخصى الأيديولوجى بالأساطير اليهودية والفكر الصهيونى الاستعمارى من قبل الرئيس دونالد ترامب كان واضحا فى كلمات الخطاب وفى تعابير الجسد.

لم يكن دونالد ترامب يقوم بتنفيذ قرار رسمى اتخذته جهات أمريكية رسمية فقط، فلقد كان أيضا يقوم بمهمة شخصية مقدسة لديه. من هنا كانت كلمات الإعلان عن قرار الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية للكيان الصهيونى الغاصب قوية النبرات ومليئة بالحماس والتصميم. فكانت الابتسامة الشيطانية العريضة وكان ارتفاع الرأس المنتشى المتفاخر المتحدى بعد الانتهاء من توقيع مرسوم الاعتراف الرسمى الأحمق.

ذلك يجعل موضوع القدس ليست معركة بين العرب من جهة وبين النظام الرسمى الأمريكى من جهة ثانية، وإنما أيضا بين العرب وبين دونالد ترامب، كعدو شخصى متآمر ضدُ العرب، من جهة ثالثة.

هل يجب أن تكون لتلك الملاحظات نتائج فى الواقع؟ الجواب هو نعم. فى هذه المرة، وباسم الرد على من يستهتر بكرامتنا ويهزأ بحقوقنا وتاريخنا وحقائق دين الإسلام ودين المسيحية، يجب قلب تلك الابتسامة العريضة المنتشية الفاجرة إلى حسرة وندم شخصى، لشخص بلا ضمير ولا مبادئ أخلاقية.

فهذا الرجل لن ترسم الحسرة والندم والخوف على وجهه إلا بتأثُر مصالحه الشخصية المالية والتجارية والعقارية والخدمية فى كل بلاد العرب. فمن المعروف أن لشركاته العقارية فروعا وامتدادات فى العديد من البلاد العربية، وأن له شركات تنتج الأزياء الرجالية والإكسسوارات والساعات والمياه المعبأة والعطور والمجلات والكحول، وله مؤسسات تدير ملاعب غولف أو تقوم بتعليم الإدارة أو تأجير السكن. ومن المؤكد أن جميع تلك النشاطات تتواجد بصورة أو بأخرى فى هذا القطر العربى أو ذاك. فهل ننتظر من الجهات الحكومية والجهات المجتمعية المعنية أن تفعل مقاطعة حقيقية لتلك المصالح وإنهاء لكل علاقة تعاقدية مع تلك الشركات وسحبا لكل ترخيص أو تسهيل قد أعطى فى الماضى؟

***

إذا كان الرجل قد مارس عداوة معنوية وسياسية صريحة تجاه العرب والمسلمين، ألا تقتصى المروءة واحترام الذات أن تعامل مصالح الرجل بألا يكون لها مكان أو وجود فى أرض العرب؟

إن جعل دونالد ترامب أمثولة وعبرة لمن يفكرون أو سيفكرون فى احتقار مشاعر هذه الأمة ومصالحها. إنها مناسبة يجب ألا تمر بطأطأة الرأس والاكتفاء بتركيز الضوء على الإجرام الصهيونى والأمريكى الرسمى وتناسى الدور الشخصى الذى لعبه الرئيس دونالد ترامب وصهره الصهيونى حتى النخاع.

سيقول لنا المتحذلقون، كالعادة، بأن الموضوع أكبر من ذلك بكثير. هذا صحيح، ولكن إذا كان العجز العربى الحالى غير قادر على أن يقارع دولة عظمى كأمريكا وكيان صهيونى مدعوم إلى حدود الاندماج من قبل تلك الدولة، فهلا يثبت العرب أنهم، حيث يستطيعون، لن يعجزوا عن المواجهة وعقاب الذى جند نفسه شخصيا لطعنهم؟

لنذكر بأن هذا الرجل قد اتخذ قرارات منحازة وعنصرية ضد مواطنى سبع دول عربية وإسلامية عندما وضع تلك الدول فى قائمة غير المرحب بمواطنيها للمجيء إلى أمريكا. هذا الرجل صرح مرارا بكلمات جارحة أو مستهزأة أو مبتزَة بالنسبة للعديد من قضايا هذه الأمة، بالرغم من كل التكريم الشخصى الذى أظهره البعض من مسئولى العرب تجاهه وتجاه أسرته.

وما فعله مؤخرا لم يكن إلا تكملة لما سبق ولما سيأتى. فهلا أشعرناه شخصيا بأن اندماجه الشخصى الكلى فى معاداة قضايانا سيكلفه شخصيا ثمنا باهظا؟

***

التاريخ يعلمنا دوما بأن الدور الشخصى الذاتى فى تشكل الأحداث التاريخية الكبرى يجب عدم الاستهانة به. فالتاريخ قد حرك وجهاته وغير مساراته أشخاص أفراد من العظام وأصحاب الرسالات وحاملى الأهداف الكبرى، كما فعل الأمر نفسه أشخاص أفراد من المجانين والمجرمين وذوى الانحطاط الأخلاقى.

منذ حملاته الانتخابية الغوغائية الصاخبة ودونالد ترامب يهدد العرب بابتزازهم المالى، ويشير إلى المسلمين كمصدر للإرهاب الدولى، ويهدد بمحاكمة بعض دول العرب فى المحاكم الأميركية لأدوارهم المزعومة فى أحداث سبتمبر الإرهابية الشهيرة على الأرض الأمريكية، وبالتالى استنزاف ثرواتهم وابتزازهم السياسى.

التقليل من كل ذلك هو خطأ سياسى بحق أنفسنا نحن العرب والمسلمون. وعدم النظر فى الدور الذى لعبه الجانب الشخصى فى تجييش القدرات الأمريكية ضدنا هو جهل بحقائق التاريخ.

اليوم أمامنا شخص منكشف الخاصرة، لم يمنعه ضمير ولم توقفه مبادئ أخلاقية من أن ينحاز كليا إلى عدو غاصب قاتل فى فلسطين المحتلة. فهل سنتصرف هذه المرة برجولة وشهامة واحترام للذات وللتاريخ وللهوية ولأحلامنا القومية ولدماء الشهداء الذين ضحوا وماتوا من أجل حاضرنا ومن أجل حماية مستقبلنا؟ لنكن مخلصين مع أنفسنا ونجيب عن هذا السؤال بلا غمغمة.
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات