الذكاء الاصطناعى والبشرى بمنظور ثقافى مختلف - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 3:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الذكاء الاصطناعى والبشرى بمنظور ثقافى مختلف

نشر فى : السبت 20 نوفمبر 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : السبت 20 نوفمبر 2021 - 8:30 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب محمود الذوادى، ذكر فيه الفوائد العلمية والمعرفية للذكاء الاصطناعى، لكنه أكد أن الإنسان ما زال يتمتع بقدرة فائقة فى التفكير تعجز العلماء عن إيجاد آلة تضاهى قدرته، وهذه الطبيعة تؤهل الكائن البشرى وحده لكسب رهان الذكاء أمام الروبوت... نعرض منه ما يلى:
تُعَدُّ ظاهرةُ انفجارِ العلوم والمَعارِف ميزةَ القرن العشرين وما بعده. فالرصيد الكبير للبحوث والتجارب فى ميدان ما يُسمّى «الذكاء الاصطناعى»، هو أحد مَلامِح ذلك الانفجار العِلمى المَعرفى الهائل. ولموضوع الذكاء الاصطناعى جانبان رئيسان ينبغى التوقُّف عندهما: الجانب العَملى والجانب المَعرفى. فمن جهة، يَستفيدُ الإنسانُ من اختراع الكمبيوتر والإنسان الآلى (الروبوت) مثلا، وذلك فى القيام ببعض الأنشطة بسرعة كبرى. كما أنّهما يُقلِّلان من حَجمِ الأعمال الروتينيّة التى كان يقوم بها الإنسان. ومن جهة أخرى، فبحوث العُلماء فى الذكاء الاصطناعى تَفتح الطريق واسعا أمام الكائن البشرى العاقل كى يعرف نفسه ويتعمَّق فيها أكثر.
ربّما يَفوق هذا البُعْدُ فى الأهميّة الجانبَ الآخرَ / التطبيقى للبحوث فى الذكاء الاصطناعى. ذلك أنّ عجْزَ جهود العُلماء والباحثين فى ميدان الذكاء الاصطناعى عن صناعة آلةٍ قادرةٍ على التفكير مثل الإنسان يطرح تساؤلا مشروعا للغاية: ما الذى يَجعل الإنسان يتمتَّع بقُدرةٍ فائقة على التفكير يتميَّز بها عن باقى الكائنات على وجه الأرض؟ ولماذا يعجز المُختصّون فى الذكاء الاصطناعى عن صنْع آلة تُضاهى قدرتها فى استعمال اللّغة قدرةَ الكائن البشرى؟ بينما لا يكاد يَجِدُ الإنسانُ العادى صعوبةً تُذكر فى استعمال اللّغة. ومن ثمّ، أَقَرَّ الباحثون فى الذكاء الاصطناعى أنّ الظاهرة اللّغويّة لدى الجنس البشرى، هى فى حقيقة الأمر ظاهرةٌ مُعقَّدة الأبعاد، وإنْ كانت تبدو بسيطة فى نظر كثيرٍ من عامّة الناس.
عالَم الرموز الثقافيّة
أَصبح جليّا اليوم لدى العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة وعند الباحثين فى ميدان الذكاء الاصطناعى أنّ ما يُميِّز الجنس البشرى عن غيره من الأجناس على الكَوكب الأرضى هو، من جهة، ما نُسمّيه عالَم الرموز الثقافيّة (اللّغة، التفكير، الدّين، العِلم/ المَعرِفة، القيَم والأعراف الثقافيّة...)، ومن جهة ثانية، مُخترعاتُ الذكاء الاصطناعى. وبعبارة أخرى، يتمثَّل عالَم الرموز الثقافيّة فى رصيد اللّغة البشريّة والمَقدرة التفكيريّة واحتضان العقائد بكلّ أصنافها وأنساق العلوم والمَعارِف ومنظومات التقاليد والقيَم والأعراف الثقافيّة التى تَنتشر فى المُجتمعات والثقافات والحضارات الإنسانيّة فى الشرق والغرب وفى الشمال والجنوب على بِساط هذا الكَوكب الشاسع الأطراف.
وبتعبيرِ عِلمَى الاجتماع والأنثروبولوجيا، فتلك الرموز الثقافيّة، هى الفاصِل الحاسِم المُميِّز للجنس البشرى عن غيره من الأجناس التى يعرفها الإنسان. ومن ثمّ، يجوز القول بكلّ مشروعيّة إنّ الإنسانَ كائنٌ ثقافى بالطبع. لقد تَقوقعت دراسةُ الرموز الثقافيّة فى هذا العصر داخل سياجِ رؤيةِ الحداثة التى تتعامل مع منظومة الرموز الثقافيّة فى إطارها الفكرى المادّى المُقتصر على المقاييس الماديّة فى فَهمه ودراسته للأشياء والظواهر، ما أدّى إلى سحب اللَّمسات الخفيّة غير الماديّة من عالَم الرموز الثقافيّة الذى يتميَّز به الإنسان. فالعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة المُعاصِرة لا تكاد تُعطى أهميّة إلى الجوانب الخفيّة غير الماديّة فى طيّات الرموز الثقافيّة. وهو ما يقوم بنقده منظورُ فِكرِ ما بعد الحداثة منذ عقود.
الطبيعة الثقافيّة للإنسان
وُلدت مقولتُنا عن عمُق الطبيعة الثقافيّة فى صلب صميم جوهر الكائن البشرى كنتيجةٍ لمُلاحظاتنا الرئيسة حول خمسة مَعالِم ينفرد بها الإنسان عن غيره من الأجناس الحيّة الأخرى: أولا، يتّصف النموّ الجسمى لأفراد الجنس البشرى ببطء شديد مُقارَنةً بسرعة النموّ الجسدى الذى نجده، مثلا، عند مُعظم بقيّة الحيوانات. ثانيا، يتمتّع أفرادُ الجنس البشرى عموما بأمدِ حياةٍ (سنّ) أطول من عمر معظم أفراد عالَم الحيوانات، على سبيل المثال. ثالثا، ينفرد الجنس البشرى بلَعِبِ دَور السيادة/ الخِلافة على وجه الأرض. رابعا، يتميّز الجنس البشرى بطريقةٍ فاصِلة وحاسِمة عن الأجناس الأخرى بمنظومة الرموز الثقافيّة المُشار إليها سابقا. خامسا، يختصُّ أفرادُ الجنس البشرى بهويّة مزدوجة تتكوَّن من الجانب الجسدى، من ناحية، وجانب الرموز الثقافيّة المُشار إليه أعلاه، من ناحية ثانية.
إنّ التساؤل المَشروع الآن هو: هل مِن علاقة بين تلك المَعالِم الخمسة التى يتميّز بها الإنسان؟
أوّلا: ثمة علاقة مباشرة بين المَعلَمَين 1 و 2. إذ إنّ النموّ الجِسمى البطىء عند أفراد الجنس البشرى يؤدّى بالضرورة إلى حاجتهم إلى معدّل سنّ أطول يُمكِّنهم من تحقيق مَراحل النموّ والنّضج المُختلفة والمُتعدِّدة المستويات. فالعلاقة بين الاثنَين هى إذن من نَوع العلاقة السببيّة.
ثانيا: أمّا الهويّة المُزدوِجة التى يتّصف بها الإنسان، فإنّها أيضا ذات علاقة مباشرة بالعنصر الجسدى (المَعْلَم 1) للإنسان، من جهة، وعنصر الرموز الثقافيّة (المَعْلَم 4)، من جهة أخرى.
ثالثا: عند البحث عن علاقةِ سيادة الجنس البشرى على وجه الأرض بالصفات الأربع الأخرى، فإنّ المَعلمَيْن 1 و 2 لا يؤهّلانه، على مستوى القوّة الماديّة، لكَسْب رهان السيادة على باقى الأجناس الحيّة، إذ إنّ الإنسان أضْعَف جسديّا من العديد من الكائنات الأخرى. ومن ثمّ، يُمكن الاستنتاج أنّ سيادة الجنس البشرى ذات علاقة قويّة ومُباشرة بالمَعلمَيْن 5 و4: الهويّة المُزدوِجة والرموز الثقافيّة. والعُنصر المُشترَك بين هذَين المَعلمَيْن هو منظومة الرموز الثقافيّة. ومنه، يتجلّى الدَّور المَركزى والحاسِم لمنظومة الرموز الثقافيّة فى تمكين الإنسان وحده من السيادة/ الخِلافة فى هذه الأرض.
رابعا: إنّ الرموز الثقافيّة تَسمح أيضا بتفسير المَعلَمَيْن 1 و 2. فالنموّ الجسمى البطىء عند الإنسان يُمكن إرجاعه إلى أنّ عمليّة النموّ عنده تَشمل جَبهتَين: الجبهة الجسميّة وجبهة الرموز الثقافيّة. وهذا خلافا للنموّ الجسدى السريع عند الكائنات الأخرى، بسبب فقدانها منظومة الرموز الثقافيّة بمعناها البشرى الواسع ذى الأبعاد العظيمة والسامية المُختلفة.
خامسا: الرموز الثقافيّة مركزيّة فى ذات الإنسان، ما يُعطى بذلك مشروعيّةً قويّةً لفِكرتنا المُنادية بصَوت عالٍ: الإنسان كائنٌ ثقافى بالطّبع.
الرموز الثقافيّة وتميُّز ذكاء الإنسان
يُعرِّف عالِمُ النَّفس هوورد غاردنر الذكاء كالتالى «الذكاء هو المَقدرة على حلّ مشكلات أو صناعة أشياء محمودة فى مُحيطٍ ثقافى ما أو مُحيطات ثقافيّة مُعيَّنة». فكما ذكرنا من قبل، فلا كائنات الأجناس الأخرى ولا حتّى المُخترعات المُتقدِّمة للذكاء الاصطناعى الحديث تملك منظومة الرموز الثقافيّة التى يتمتَّع بها الإنسان. وهى مُلاحَظة تَطرح فرضيّةً قويّةً حبلى بروح الصدقيّة تُلوِّح إلى وجود علاقةٍ مَتينة بين شيئَين يتميّز بهما الجنس البشرى: 1ــ منظومة الرموز الثقافية و2ــ الذكاء الإنسانى المُتفوِّق المُشار إليه فى سطور هذا المقال. ومنه، يجوز القول بإمكانيّة حضور علاقة سببيّة بين الاثنَين تكون منظومة الرموز الثقافيّة سَببا قويّا لتأهُّل الكائن البشرى وحده لكسب رهان الذكاء الإنسانى الذى سمحَ للجنس البشرى بالسيادة/ بالخلافة فى الأرض. وبتعبير آخر، يعود تميُّز الذكاء الإنسانى عن غيره إلى نفخة الروح الثقافيّة فى آدم التى تُسمّيها العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة المُعاصِرة منظومة الرموز الثقافيّة. لا تتردَّد هذه الحقيقة فى أن تُعلِن بصوت عالٍ وبحروفٍ كبيرة أنّ الإنسان كائن ثقافى بالطبع. أى إنّ الذكاء البشرى المُتفوِّق على أنواع الذكاء الأخرى مَنَحَ الجنسَ البشرى وحده السيادة/ الخلافة على باقى الأجناس ومَعالِم الطبيعة المُتعدِّدة، لأنّه ذكاء حمّال لنصيب الأسد من الذكاء الأكبر فى مَعالِم الكون المُترامية الأطراف. فالبحوث والمؤلّفات المُعاصِرة حول ظاهرة الذكاء خالية من مقولة تحليلنا الفكرى هنا. تقتصر عموما تلك البحوث والكُتب على قياس الذكاء كما فَعل عالِم النَّفس الشهير جان بياجى أو تصنيف الذكاء إلى أنواع مُختلفة، كما جاء فى كِتاب «The Theory of Multiples Intelligences» العائد لهاورد غاردنر. تُفسِّر هذا الصمتَ طبيعةُ الرؤية المَعرفيّة للعلوم الحديثة التى تكتفى فى فهمها وتفسيرها، بالاستناد إلى العناصر الماديّة للمخّ البشرى مثل النَّظر إلى المخّ كمُجرَّد هندسة مِعماريّة وما شابه. فالمُخ عند المُختصّ فى الذكاء الاصطناعى رجاء شاتيلا ليس ماكينة. فالفكر البشرى، هو أكبر ميزة للإنسان عند ابن خلدون كما يُعبِّر عن ذلك فى السطور الأولى من الباب السادس للمُقدّمة: وذلك أنّ «الإنسان قد شارَكته جميع الحيوانات فى حيوانيّته من الحسّ والحركة والغذاء والكَنّ وغير ذلك. وإنّما تميَّز عنها بالفكر (...) فهو مُفكّر فى ذلك كلّه دائما، لا يَفتر عن الفِكر فيه طرفة عّيْن»..
يرى غير ابن خلدون من المُفكّرين أنّ الفكرَ ليس نتيجةً للمخّ الماكينة. فذلك التصوُّر يسحب عن الإنسان كرامته وسيادته. إذن، فالمسألة هنا ليست سؤالا عِلميّا جافّا فقط، وإنّما هى جدل حول صُلب إنسانيّة الإنسان نفسها. فهذه الأخيرة لا يُكسب رهانها فى تصوُّرِنا من دون النظر إلى تميُّز مخّ/ عقل الإنسان بمنظومة الرموز الثقافيّة أو نَفخة الروح الثقافيّة التى أهَّلت الإنسانَ وحده لذكاءٍ أسمى ولمشروعيّةٍ تُبوِّئه وحده الخلافة/ السيادة فى الأرض. إنّ تميُّزَ الإنسان بمنظومة الرموز الثقافيّة، هو نتيجةُ ميزةٍ أخرى ينفرد بها الإنسان، ألا وهى اللّغة فى شكلَيها المنطوق والمكتوب. يرى الكثير من المُفكّرين فى العلوم الاجتماعيّة أنّ اللغة البشريّة هى مَصدر نشْأة الثقافات لدى الأجناس البشريّة. وهذا ما جَعَلَنا نؤكِّد أنّ اللغة هى أمّ الرموز الثقافيّة جميعا (الثقافة). ومنه يتجلّى أنّ تميُّز الذكاء البشرى عن غيره، هو حصيلة لميزتَين مُترابطتَين يتمتَّع بهما الكائن البشرى: اللّغة المنطوقة والمكتوبة التى وُلِدت منها المنظومةُ الثقافيّة لدى بنى البشر.
النص الأصلى هنا

التعليقات