«يوم الدين».. سينما تأسر القلوب! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 12:39 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«يوم الدين».. سينما تأسر القلوب!

نشر فى : الخميس 20 سبتمبر 2018 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 20 سبتمبر 2018 - 10:10 م

يستحق الفيلم المصرى البديع «يوم الدين» أن نضعه بين أفضل ما تم إنتاجه من أفلام مصرية خلال العشرين عامًا الماضية، ليس لأنه اختير ضمن أفلام المسابقة الرسمية فى مهرجان كان 2018، فهناك أفلام كثيرة تدخل المهرجانات ومسابقاتها، دون أن تمتلك هذا النضج والتكامل الفنى الذى يمتلكه «يوم الدين»، ولكن لأنه ببساطة عمل يأسر القلوب بشخصياته وأماكنه وأحداثه ومعالجته التى تمزج بين الجدية والإضحاك.
ليس المضمون الإنسانى وحده هو سر تفوق هذا الفيلم، ولكن هناك أيضًا الطريقة التى سُردت بها الحكاية بتفاصيلها اللامعة، مع تميز معظم عناصر الفيلم، خصوصًا أداء البطلين اللذين يمثلان لأول مرة، والسيناريو المحكم، والتصوير، والمونتاج، والموسيقى.
التقط أبو بكر شوقى، كاتب الفيلم ومخرجه، فى عمله الروائى الطويل الأول، شخصيتين مهمشتين ومختلفتين: رجل مسيحى فى مستعمرة الجذام، وطفل صغير مسلم من أصول نوبية فى دار أيتام، لا يجمع بين الاثنين سوى صداقة تجعل الأول يشعر بأن الثانى مثل ابنه، ورحلة الرجل المجذوم الذى شفى من مرضه، وصديقه الطفل الذى يكره المدرسة، ومعهما حمار هزيل، هى فى جوهرها رحلة لاكتشاف الذات والآخر، بل هى رحلة لرؤية الحياة: يبحثان عن الأهل فى الصعيد (سوهاج وقنا) فى مغامرة تستلهم ببراعة نوعية أفلام الطريق، لتنتهى بانتصار حقيقى، سواء فى إجبار الآخر على قبولهما، أو فى اختبار الرجل المجذوم لثقته فى وجهه الذى أكله المرض، إنه يتمنى فى الحلم أن يرى نفسه فى المرآة شابا بهيئته القديمة، ثم يتقبل فى المرآة صورته الراهنة، بعد العودة إلى أسرته، والمشهدان مقدمان بنفس الحركة البطيئة.
نجح السيناريو بامتياز فى رسم معالم بطليه، كما نجح فى ضبط المعالجة، فلم تنزلق أبدًا إلى الميلودراما، هناك مواقف مؤثرة بالتأكيد، ولكن دون استسهال للابتزاز العاطفى، الفيلم بأكمله ليس كئيبًا على الإطلاق، مع أنه يتحرّى واقعية الأحداث والأماكن، بل إنه يترك فى نفس مشاهده طاقة إيجابية هائلة، نابعة بالأساس من حب بطليه للحياة، ومن إرادتهما القوية، ومن بساطتهما فى التعامل، ومن تعليقاتهما المرحة واللطيفة والتلقائية.
من نجاحات السيناريو أيضًا أن فكرة التهميش والنبذ والاختلاف عن الآخر، لا تجد معادلها فى اختلاف الدين، أو فى الإصابة بالمرض الذى يشوه الوجه واليدين فحسب، ولكنها تأخذ تنويعات أخرى مع ظهور فريق من الشحاذين المنبوذين.
وليس صحيحًا أن الفيلم يمتلك نظرة تشاؤمية تقول إن المساواة بين الناس جميعًا يمكن أن تتحقق فقط يوم الدين أو يوم القيامة، إنها عبارة ترد وسط حوارات البطلين، ولكنهما يقنعان الآخرين بقبولهما، بإنسانيتهما وقلوبهما الصادقة، وكأن الفيلم البديع، إذ يجعل للاختلاف مظهرًا جسديًّا واضحًا وغريبًا، يدفعنا من باب أولى إلى قبول الآخر، الذى يشترك معنا فى الوطن، أو فى اللغة، أو فى المظهر، هنا والآن، وليس فى عالم آخر.
أما المدهش حقًا فهو أن ينجح مخرج مصرى شاب، هو أبو بكر شوقى، فى أول أفلامه الطويلة، فى إدارة ممثليه على هذا النحو الرائع، وبالذات راضى جمال فى دور الرجل المجذوم، وأحمد عبدالحافظ فى دور الطفل.
والأول ما زال يعيش حتى اليوم فى مستعمرة الجذام، لقد أسرنى بأدائه القوى، وبصوته الذى يذكرنى بصوت على الكسار، وبنظرات عينيه التى لا تنسى حزنًا وفرحًا، لعل إدارة المخرج لهذين الممثلين من الهواة كان أفضل من إدارته للمحترفين، كما أن شوقى نجح فى منح رحلته تماسكًا كبيرًا، رغم تعدد الأماكن والأزمنة، وجعلنا نرى وادى النيل ومدنه وآثاره وأهله بشكلٍ مختلف تمامًا.
ومن أجمل اللازمات البصرية فى الفيلم حركة الأيدى، من يد الرجل المجذوم فى البداية وهى تفرز القمامة، إلى يده وهى تلقى القبعة التى يختفى وراءها فى النهاية، وبين الحركتين يد حماة الرجل وهى تصافحه، ويد صديقه الطفل وهو يدفعه للرقص، ويد الكومسارى فى الحلم وهو يبحث عن وجهه.. الخ، اليد تنوب عن الوجه فى التواصل، حتى يتصدر وجه الرجل الكادر فى النهاية.
«يوم الدين» ليس فيلمًا عن مريض الجذام الذى شوهه المرض، وجعل الآخرين يهربون منه رغم شفائه، إنه عن تشوه أعمق اسمه رفض الآخر، لأننا نخاف منه، أو نبذ الغير لأنه يختلف عنا، إن تشوه وجه هذا الرجل صاحب القلب الأبيض، هو أجمل تشوه شاهدته فى تاريخ السينما المصرية.

التعليقات