اليابان وحنين لا ينتهى! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 24 أغسطس 2019 9:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





اليابان وحنين لا ينتهى!

نشر فى : السبت 20 يوليه 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 20 يوليه 2019 - 8:55 م

للعام الثانى على التوالى أصطحب طلابى فى جامعة دنفر الأمريكية فى كورس صيفى إلى اليابان. أسبوعان أحاول فيهما تقديم طلابى إلى ثقافة ونظام عشت فيهما واستمتعت بهما لمدة ثمانى سنوات كاملة كطالب للدراسات العليا. اسم الكورس هو «الثقافة والسياسة فى اليابان» ويهدف إلى زيارة عدد من مؤسسات صنع القرار بالإضافة إلى مجموعة من المتاحف والمنظمات غير الحكومية اليابانية لدراسة طريقة ومحددات صنع السياسات الداخلية والخارجية فى ضوء التعرف على العامل الثقافى ودوره فى صنع هذه السياسات.

على مدار الأسبوعين زرنا ٤ محافظات هى طوكيو وتشيبا وسايتما بالإضافة إلى هيروشيما. فى طوكيو قمنا بزيارة وزارة الخارجية اليابانية حيث تعرفنا على الطريقة التى يفكر بها صناع القرار بعد وصول ترامب إلى الحكم فى الولايات المتحدة وتقاربه مع زعيم كوريا الشمالية، بالإضافة إلى زيارة المقر الرئيسى لهيئة التعاون الدولى اليابانى (جايكا) للتعرف على سياسة المساعدات الدولية باعتبارها إحدى أدوات صنع السياسة الخارجية اليابانية، فضلا عن زيارة البرلمان اليابانى وعدد من المتاحف والمعابد وفى مقدمتها معبد «ياسكونى» الذى يحوى رفات آلاف الجنود اليابانيين الذين فقدوا حياتهم فى الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعضهم متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وهو ما يمثل إشكالا كبيرا فى علاقات اليابان مع جيرانها كلما أقدم رئيس وزراء يابانى على زيارة المعبد.

كذلك فقد قمنا بزيارة مبنى محافظة تشيبا ومبنى محافظة سايتما وتعرفنا من خلال المسئولين هناك على كيفية صنع السياسات المحلية والمخصصات المالية للخدمات الصحية والتعليمية والمعاشات والبنية التحتية.

أما فى هيروشيما فقد زرنا متحف السلام والنصب التذكارى لضحايا القنبلة النووية كما قابلنا إحدى الناجيات من الحرب وتحدثت لطلابى عن تجربتها كما حدثتهم عن ثقافة السلام التى تعلمتها المدينة الصغيرة كما تعلمتها اليابان بأثرها.

***
وقبل مغادرة اليابان قابلنا استاذى السابق فى مرحلة الماجستير أكيرا ناكمورا وهو أحد من أدين لهم بالكثير فى تكوين شخصيتى العملية والعلمية وقد تحدث مع طلابى عن بعض ملاحظاتهم فى نهاية الرحلة ووعدنى بالمزيد من التنسيق لمقابلة المزيد من المسئولين فى الرحلات القادمة.
بعد أن ودعت طلابى عائدين إلى الولايات المتحدة قمت بمد الزيارة بشكل شخصى لزيارة محافظتين لم أتمكن من زيارتهما خلال سنوات إقامتى فى اليابان، حيث زرت محافظة توياما ثم محافظة ناجانو. لم يكن لدى خطة محددة فى زيارة سريعة لكل منهما، فى توياما زرت ميناء المدينة حيث يسيطر عليه الروس ويعملون فى الصناعات الثقيلة وتجارة الماكينات الزراعية مع كوريا والصين أما فى ناجانو فقد قمت بجولة حرة فى المدينة وقادتنى قدمى لقرية صغيرة على حواف المدينة تدعى ميسوجى بها نهر صغير اسمه سوسوبانا حيث الهدوء والسلام مع الطبيعة، جولة حرة فى القرية الجبلية امتدت لساعتين كانتا كافيتين لاستعادة السلام والهدوء النفسى.
رغم أن الإجازة لم تستمر لأكثر من ثلاثة أيام إلا أننى استمتعت بهذه الرحلة كما أستمتع دائما باليابان. لا يعرف قيمة هذه البلد سوى من زارها، لا أتحدث هنا عن التكنولوجيا ولا عن التقدم الاقتصادى ولا حتى الاستقرار السياسى، لكنى أتحدث عن تلك الروحانيات التى تعطينى الهدوء والسلام الداخلى. أستمتع بكل لحظة فى هذه البلاد البعيدة، طعم البن مختلف، جلسة المطاعم والمقاهى مختلفة، التمشية فى الشوارع مختلفة، هناك طاقة ما مطمئنة فى هذه البلاد، روح الناس مختلفة، النفوس أكثر صدقا وأمانة، هناك شىء ما حقيقى فى اليابان!
فى حى شيبويا الشهير، قابلت إحدى طالباتى السابقات فى جامعة القاهرة حيث تعمل الآن فى البعثة المصرية فى إحدى الدول الأسيوية وكانت قد درست فى اليابان سابقا فأكدت لى هذه الملاحظات، فهى لا تشعر بالهدوء النفسى سوى فى اليابان وحتى أهلها يلاحظون ذلك! الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالأديان ولا بالتقدم أو التحضر الصناعى أو التكنولوجى، ولكنه يتعلق بالتحضر الإنسانى، هذه ثقافة مسالمة منذ الحرب العالمية الثانية، ناسها يعملون بكد ويعملون بأمانة ويطبقون قيمهم الحضارية بلا تمييز بين الأجناس أو الأديان، هذه بلاد تنطق فيها الطبيعة بالسكينة، ويطبق فيها القانون بلا تفرقة، هذه بلاد تعيدك إلى توازنك النفسى والعقلى بعيدا عن جنون وضغوطات الحياة المعاصرة.
***
منذ أن تركت العيشة فى اليابان عام ٢٠١١ وهناك تغييرات كثيرة طرأت على البلاد، أصبحت السياسة الداخلية أكثر استقرارا وإن كانت أقل قدرة على التغيير، مازالت القوة الاقتصادية حاضرة لكن مع منافسة أكثر شراسة من كوريا الجنوبية والصين.. منافسة أصبحت تضع مستقبل التجارة الخارجية اليابانية على المحك. أصبحت اليابان أكثر اقتصادا فى استخدام الطاقة، فى عز الحر والرطوبة ممنوع على أى مؤسسة حكومية أن تضع درجة حرارة المكيف أقل من ٢٦ درجة مئوية، كذلك لم تعد طوكيو تلك المدينة المضاءة طوال الليل والنهار كما كانت أحياؤها الشهيرة (شنجوكو، شيبويا، أكيهابرا، أودايبا، إيكبوكورو.. إلخ) منارة دائما سابقا.
ثقافيا واجتماعيا تستطيع أن ترى تزايد عدد الأجانب وخصوصا من الأسيويين الذين أصبحوا حاجة ملحة للسوق اليابانية فى ظل تناقص مستمر فى أعداد المواليد وزيادة متوسط الحياة نتيجة للرعاية الصحية. تستطيع أن ترى أيضا انفتاحا ملحوظا من الشعب اليابانى على الأجانب والثقافات المختلفة وهو أمر كان صعبا للغاية على الثقافة اليابانية قبل قرن واحد من الزمان!
فى الزقاق الضيق المؤدى إلى معبد «أساكوسا» تستطيع أن تجد المقرمشات اليابانية التقليدية «أو سيمبى» وعليها علامة «حلال» لطمأنة المسلمين أن المحتوى خال من الكحوليات أو دهون الخنزير، تستطيع أن ترى علاقات عاطفية مشتركة بين اليابانيين والأجانب وهو أمر كان محدودا للغاية من قبل.
فى الطريق إلى النصب التذكارى لضحايا قنبلة هيروشيما استوقفنى بجراءة مجموعة من طالبات المرحلة الابتدائية بإحدى المحافظات المجاورة لهيروشيما وسألونى بثبات عن انطباعاتى كأجنبى عن المدينة، تحدثوا بإنجليزية بسيطة ولكنها مفهومة رددت عليهم باليابانية فأكملوا الحديث بالإنجليزية لأنهم يريدون أن يمارسوها فى هذه السن الصغيرة، فعلوا ذلك مع مراقبة مدرس الفصل من بعيد دون أن يتدخل أو يساعد، لم يكن هذا ليحدث أبدا قبل عقد أو عقدين من الزمان، اليابان تتغير ولكنها مازالت تحافظ على روحها وسكينتها وجمالها ونقائها.
انتهت رحلتى سريعا، كتب الطلبة تقييما مشجعا وعبروا عما عبرت عنه حينما زرت هذا البلد قبل ١٩ عاما، خبرة جديدة، تغيير كامل لرؤية الحياة والسياسة والثقافة والتاريخ. ليت مؤسساتنا التى تكرم طلاب الثانوية العامة ترسلهم فى رحلة إلى اليابان بدلا من (أو بالإضافة إلى) أوروبا، لدى استعداد لتنسيق كل تفاصيل الرحلة بشكل طوعى إذا ما طلب منى ذلك وأثق أن السفارة المصرية فى طوكيو والسفارة اليابانية فى القاهرة لن تتأخرا أيضا عن ترتيب مثل هذه الرحلات. أشعر بالسعادة لأننى أفيد طلبتى فى جامعتى الأمريكية ولكنى أيضا أريد للطلبة المصريين الاستفادة من هذه التجربة الثرية وهم يستحقون ذلك رغم بساطة الإمكانيات. أتمنى أن تقوم وزارة الشباب والرياضة بتكثيف رحلاتها شرقا (اليابان، الصين، كوريا، ماليزيا، أندونسيا، الهند.. إلخ)، التوجه شرقا هو المستقبل، سياسة وصناعة وثقافة وفنا، فهل من مجيب أو متحمس؟
انتهت الزيارة لكن لم ينته الحنين، أركب طيارتى عائدا إلى الولايات المتحدة، لكن على وعد بزيارة قريبة لهذه البلاد العظيمة.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر