الواعظ والطبيب.. والقشة - أحمد حسين - بوابة الشروق
الأحد 20 أكتوبر 2019 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

الواعظ والطبيب.. والقشة

نشر فى : السبت 20 أبريل 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : السبت 20 أبريل 2019 - 10:55 م

(القشة التى قصمت ظهر البعير) مثل رائج فى مجتمعاتنا، يروى أن أصله عندما انتقد الناس تاجرا زاد على ظهر بعيره أضعاف ما يحتمله من متاع، فرد عليهم أن بعيره يحتمل أكثر وزاد عليه بحفنة من القش فخار البعير وانهد مسقطا كل حمولته... تناسى الناس أن ما أنهك البعير ليست القشة بل ما سبقها من أحمال تفوق قدرته.

تناقلت وسائل الإعلام منذ أيام واقعة اعتداء طبيب على واعظ بمستشفى القرنة المركزى بالأقصر، أحداث الاعتداءات والمشاجرات أصبحت معتادة للمستشفيات إلى حد الألفة، الجديد فقط فى تلك الواقعة أن الطبيب هو المتهم بإحداث الإصابات بالطرف الآخر، والملفت هو التركيز على مهنة المصاب (الواعظ) وكأن المواطن العامل أو الفلاح أو العاطل من الطبيعى أن يكون طرفا فى شجار، أو أن المفترض أن يتحرى الطبيب والممرض عن مهنة رواد المستشفى قبل تقديم الخدمة لهم أو الرد على استفسار أو رد إهانة أو استقبال لطمة أو لكمة!!، من المؤكد أن أحدا لا يقر اعتداء طبيب على أى مواطن يطلب العلاج، كما نجرم الاعتداء على المستشفيات والعاملين بها.

***
من ملخص الروايات المختلفة أن الواعظ حضر يطلب الكشف على طفلته وكانت سبقتها بدقائق إلى غرفة الاستقبال حالة مرضية أخرى، وعندما حضر الطبيب من أقصى ممر الاستقبال وجد الواعظ متصدرا باب الغرفة يطالبه بالكشف على ابنته أولا وعندما رفض الطبيب إلا أن يفحص الحالة المرضية التى سبقتهم فهدده الواعظ بتحرير محضر ضده، ليرد الطبيب بأنه من سيحرر بلاغا ضده، وعند خروجهما لاستباق تحرير المحضر اختلط الحابل بالنابل وأصبحت مشاجرة بالأيدى أصيب فيها الواعظ بجرح بالرأس وأجريت له الفحوصات والعلاج بمستشفى أخرى وخرج منها بعد ساعات، وحبس الطبيب أربعة أيام ثم تجدد له خمسة عشر يوما أخرى على ذمة القضية.

سخط وغليان بين الأطباء، وغضب واستنكار من الأهالى ومتابعة مترقبة من الإعلام، وزيرة الصحة أوفدت مندوبا عنها لتفريغ كاميرات المراقبة. وسط كل ذلك غاب عن الجميع السؤال عن الطفلة والحالة المرضية الأخرى كما غاب عن الوزيرة أن تكلف مندوبها بتقرير عن عجز الأطباء فى التخصصات المختلفة بالمستشفى وما ينقصها. الطفلة والحالة الأخرى خرجتا بدون فحص وعلاج، فقد كان الطبيب النوباتجى قيد التحفظ من الشرطة، ربما حضر صباح اليوم التالى إلى عيادات المستشفى.

هل يعلم والد الطفلة والمواطنون الغاضبون أن هذا الطبيب هو طبيب نساء وتوليد عمل صباح يوم الواقعة فى قسمه وساعد فى عملية جراحية حتى الرابعة مساء ثم استلم نوباتجية الاستقبال العام لعجز الأطباء فى التاسعة مساء ووقع الكشف الطبى على ثلاثين مريضا ومريضة حتى العاشرة موعد حدوث الواقعة!! ربما قدر الطبيب ألطف من آخر، فلعله وصف علاجا للطفلة أو للأخرى وحدثت مضاعفات. حتى لو كان العلاج صحيحا، لحاسبه القانون أو الوزيرة لممارسته المهنة فى غير تخصصه. ففى مصر إن كنت طبيبا فإما أن تتبع معايير وآداب المهنة فتدخل السجن أو تنفذ تعليمات الوزارة فتدخل السجن أيضا، وفى كلتا الحالتين الضرب والسب مميزات إضافية لا بديلة.

قطعا إن صحت الروايات فرد الطبيب على فعل الواعظ مبالغ فيه ومرفوض. فكما نطالب المواطن الساخط على الخدمة أن يتخذ السبل القانونية للشكوى، أيضا نشدد على الفريق الطبى اتخاذ ذلك المسلك.

***
ما هى القشة التى أوصلت الواعظ والطبيب للشجار بالأيدى بعد أن فاضت الأحمال فهوت بكليهما؟
خصوصية مهنة الطب وسموها ألقت بظلالها على الطبيب فى نظر المواطن فصنّفه ملاكا، فلا يقبل منه أفعال البشر، الملائكة لا يأكلون ولا يعصون ولا ينامون ولا يقضون حوائجهم. أيضا، المجتمع لا يعلم أن الطبيب يدفع إيجارا لمسكنه ومصاريف لمدارس أولاده ولدراسته هو وأن الاثنى وأربعين جنيها مقابل اثنتى عشرة ساعة لم تعد تكفى ثمن وجبة وكوب شاى فى النوباتجية. لم يعد يطيق الطبيب أحمال الملاك التى يطالبه المجتمع أن يكون عليها ولا يريد أن يتقبله كما هو بشريا، فكان سخط المجتمع وتحفزه ضده هو القشة التى أجهزت عليه.
أيضا قدسية الأديان عند المجتمع جعلت من الإمام والقس والراهب منزهين عن الخطأ فى أعين الناس، محرم عليهم أن يجلسوا بالمقاهى ويرتادوا السينما أو يتبادلوا الضحكات، ينتقدوا لو عملوا بأعمال إضافية وهم فى ضيق من العيش، رغم أن الرسل والأنبياء كانوا بشرا أخطأوا وكانوا يعملون.. زادت أحمال الواعظ وربما كان الشحن الإعلامى السلبى ضد الأطباء هو القشة التى أدت به إلى السخط والانفعال على الطبيب.

***
منذ شهور قليلة طلبت من موظف أحد مكاتب الشهر العقارى استخراج توكيل لمحامى فوجهنى للمكتب الواقع بمنطقة إقامتى المدونة ببطاقة الرقم القومى، فأوضحت له أنى لم أعد أقطن هناك، فرد بوجه عابس (فرصة تذهب لتستعيد ذكرياتك هناك). عندها تذكرت رد فعل مواطن أخبره طبيب الطوارئ أن يحضر لعيادة المستشفى الصباحية لأن حالته ليست طارئة فابتسمت للموظف بسخرية ورددت (حاضر سأذهب لاسترجاع ذكرياتى). ومنذ أيام قليلة سكب سائق سيارة أجرة جماعية فى سوهاج السولار مشعلا النار فى سيارته عندما حرر رجل الشرطة مخالفة ضده، تداولت مواقع التواصل الاجتماعى الحدث بالفيديو وكانت معظم تعليقات المواطنين ضد السائق لما يشاهدونه ليل نهار من تجاوزات سائقى سيارات الأجرة العامة، ولم يفطن أحد مطالبا رجال الشرطة أن يطبقوا القانون على جميع المخالفين ليل نهار أيضا!!

جميع المهن بما يراها الناس مقدسة وجليلة يمتهنها بشر كأصحاب باقى المهن، من العدل أن ينظر المجتمع إلى حقوقهم كما يطالبهم أن يؤدوا كامل واجباتهم.

***
الحكومة البريطانية حددت معدل انتظار المرضى فى أقسام الطوارئ بالمستشفيات بأربع ساعات كاملة، وفى ديسمبر 2017 أعلنت صحة مكة المكرمة أنها نجحت فى تقليل مدة انتظار المريض بالطوارئ من 76 إلى 60 دقيقة، كما أكدت هيئة الصحة فى أبو ظبى على المنشآت الصحية الالتزام بمعايير انتظار المرضى فى أقسام الطوارئ بمعدل ساعة واحدة فقط، وفى الخامس من إبريل الحالى أجابت وزيرة الصحة البحرينية فائقة الصالح على سوال أحد نواب البرلمان عن مدة انتظار المرضى فى مستشفى السلمانية بأن متوسط مدة الانتظار من لحظة دخول المريض قسم الطوارئ إلى لحظة دخوله على الطبيب للفحص هو 75 دقيقة!

ليس الحل الأمثل والجذرى هو تغليظ عقوبة الاعتداء على المستشفيات، فتاجر المخدرات يعلم أن عقوبته تصل للإعدام ويستمر فى تجارته حتى القبض عليه. قبل تغليظ العقوبة وتنفيذها لا بد من إعادة بناء الثقة بين فئات المجتمع المختلفة، ومنها الفريق الطبى، الذى ساهمت الحكومة فى زعزعتها إن لم يكن هدمها بتجاهلها للمشاكل الحقيقية وتصديره ككبش فداء عن تقصيرها، وساهم الإعلام بدعم سلوك الحكومة وتصدير قضايا اتهام بالإهمال الطبى قبل البت فيها وكأن جميع الأطباء نسل إبليس، إضافة إلى نشر خزعبلات تجعلنا أضحوكة بين الدول!!

لا بد من المكاشفة والمصارحة بمشكلات المنظومة الصحية من نقص إمكانيات مادية وعجز فى القوى البشرية، ووضع خطة لحلول حقيقية دائمة وليست مسكنات وقتية. لا بد من توعية المواطن بدور أقسام الطوارئ والاستقبال والحالات التى عليها استقبالها فقط، وواجب الإعلام أن يتحرى الدقة فى نشر الأخبار والمعلومات وأن يعرض الإيجابى من أحداث الوسط الطبى كما يفرد للسلبى منها، أن يسلط الضوء على المشكلات ويتابع حلولها.. شىء أقرب إلى المصالحة الوطنية أصبحت فئات المجتمع تحتاج إليه، حتى لا يقصم القش ظهورها فينهاروا... كما قرر طبيب الواقعة الاستقالة.

التعليقات