المبعوثون الأمميون ولعنة الأزمة الليبية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2020 6:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المبعوثون الأمميون ولعنة الأزمة الليبية

نشر فى : الجمعة 20 مارس 2020 - 10:25 م | آخر تحديث : الجمعة 20 مارس 2020 - 10:25 م

يُلاحَظ أن مبعوثى الأمم المتحدة إلى ليبيا لا يصمدون كثيرا فى أداء المهمة المكلفين بها، وهى العمل مع الأطراف الليبية، والقوى الإقليمية، والقوى الدولية على التوصل إلى تسوية سلمية تُنهى الصراع الذى اندلع منذ إسقاط نظام حكم الرئيس معمر القذافى ومازال مستمرا حتى الآن. فمن هؤلاء المبعوثون من لم يصمد إلا بضعة أشهر، ومنهم من صمد أقل من عام، ومنهم من قاوم وبقى عامين أو أقل أو أزيد بضعة أشهر، ولكن كلهم ــ حتى الآن ــ ذهبوا وبقيت الأزمة الليبية بصراعاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية بين الأطراف الليبية والتى يتلقى كل منها دعما إقليميا ودوليا للتمترس فى موقفه.

***

وقد توافد على الأزمة الليبية ستة مبعوثين للأمم المتحدة حتى الآن، وإذا استعرضنا بإيجاز ماذا حقق كل منهم وإلى ماذا انتهت مهمته فى نهاية الأمر سنجدهم حسب ترتيبهم على النحو التالى:

1) وزير خارجية الأردن الأسبق عبدالإله الخطيب، وقد عُين فى 16 أبريل 2011 حيث اختاره أمين عام الأمم المتحدة بان كى مون. ولم يبق فى منصبه سوى أربعة أشهر دون أن ينجز فيها شيئا حيث كانت أحداث إسقاط نظام القذافى فى 17 فبراير 2011 مازالت ساخنة وكان القذافى وبعض أنصاره مازالوا يقاومون قبل اغتيال القذافى فى أكتوبر من نفس العام.
2) الدبلوماسى البريطانى ايان مارتن، حيث خلف الخطيب وعين فى 20 سبتمبر 2011 وقد استمر لأقل من عام أى حتى أغسطس 2012، ولم يحقق شيئا يذكر خلال مهمته.
3) وزير الإعلام اللبنانى الأسبق طارق مترى، وقد خلف مارتن وتولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة فى ليبيا فى أغسطس 2012، واستمر فى أداء مهمته ما يقرب من عامين دون أن يحقق إنجازا يذكر فى التقريب بين الفرقاء الليبيين نتيجة استمرار حالة الفوضى وانعدام الأمن وغياب سلطات الدولة، رغم أنه أجرى مباحثات مكثفة مع جميع الأطراف الليبية، ودعاهم إلى أن يبدأوا حوارا فيما بينهم. ولكن اندلعت الحرب فى طرابلس وبنغازى ولم تمهله فى أداء مهمته طويلا. وقد ألف كتابا عن مهمته فى ليبيا قال فيه «غادرت حين أصبحت مهمتى مستحيلة، وفشلت فى إقناع النخب السياسية بالتسوية» ووجهت تهديدات بالقتل لبعثة الأمم المتحدة. وواضح الهدف من هذه التهديدات كان إنهاء مهمته.
4) الدبلوماسى الإسبانى برناردينو ليون، وقد عين فى فبراير 2014. ورغم أن فترة توليه مهمته كانت من أصعب الفترات فى الأزمة الليبية، إلا أنه ساهم فى جمع غالبية الأطراف السياسية فى ليبيا فى جولات ممتدة من المفاوضات الشاقة بمساعدة أطراف دولية وإقليمية، وقد أمكن فى نهايتها توقيع الاتفاق السياسى الليبى، أو ما يُعرف باتفاق الصخيرات نسبة إلى منتجع الصخيرات فى المغرب الذى أجريت فيه المفاوضات. وبالرغم من ذلك، ومع أن اتفاق الصخيرات مازال هو الأساس المعتمد دوليا لتسوية الأزمة الليبية، فقد دفع ليون إلى ترك مهمته مغضوبا عليه من عدة أطراف ليبية لاتهامه بأنه أرسى فى هذا الاتفاق تقسيمات تجعل التسوية السياسية للأزمة الليبية صعبة إن لم تكن مستحيلة، وذلك حسب رأى الغاضبون عليه.
5) الدبلوماسى الألمانى مارتن كوبلر، وقد عين فى 17 نوفمبر 2015، وقد كانت مهمته واضحة ومحددة، وهى تطبيق اتفاق الصخيرات ولكنه أخفق فى ذلك نتيجة الخلافات بين الفرقاء الليبيين بشأن عدة مواد فى اتفاق الصخيرات ولم يستطع التوصل معهم إلى حلول وسط رغم ما لديه من تجارب سابقة فى حل الأزمات سواء فى العراق أو أفغانستان أو الكونغو الديمقراطية.
6) الوزير اللبنانى الأسبق والأكاديمى د. غسان سلامة، وقد خلف مارتن كوبلر فى يونيو 2017. وقد استطاع أن يحقق تقدما ملحوظا فى ملفات المصالحة والحوار بين كثير من الأطراف والقبائل الليبية المتناحرة. كما نجح فى إجراء بعض التعديلات على اتفاق الصخيرات حتى يصبح أكثر قبولا لدى الفرقاء الليبيين معتمدا فى ذلك على ما لديه من خبرات متراكمة. وكان يعمل بدأب وحماس لعقد مؤتمر كبير جامع لكل الأطراف الليبية يعقد فى صيف 2019. ولكن العملية العسكرية تجاه العاصمة طرابلس والتى بدأت فى أبريل 2019 أفسدت خطته التى كان من المفترض أن تعد فى هذا المؤتمر الليبى لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية فى ليبيا. وكان د. سلامة يعلق بعض الآمال على مؤتمر برلين بشأن الأزمة الليبية والذى شاركت فيه كل الأطراف الإقليمية والدولية والمنظمات الضالعة أو المتصلة بالأزمة الليبية، وما أسفر عنه المؤتمر من تأكيد التأييد للحل السلمى، ولاتفاق الصخيرات، وأن يكون الحل السياسى أساسا بين الأطراف الليبية. وبدأ د. سلامة يعمل على تشكيل لجان عسكرية واقتصادية وسياسية وتأكيد وقف إطلاق النار الهش الذى تم التوصل إليه فى موسكو قبل مؤتمر برلين. ولكن استمرت خروقات وقف إطلاق النار وتبادل الاتهامات بين الجيش الوطنى بقيادة المشير خليفة حفتر وحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج وازداد الأمر سوءا بالتدخل العسكرى التركى ونقل مقاتلين من المنظمات الإرهابية وغيرها فى سوريا إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق.
وإزاء هذا الموقف المتأزم لم يجد د. غسان سلامة سبيلا إلا أن يتقدم باستقالته لأمين عام الأمم المتحدة موضحا إنها لأسباب صحية فلم يعد قادرا على الاضطلاع بهذه المهمة الصعبة. وباستقالته خلا منصب مبعوث الأمم المتحدة للأزمة الليبية للمرة السادسة على مدى نحو تسع سنوات.
***
وقد عين الأمين العام للأمم المتحدة الدبلوماسية الأمريكية ستيفانى توركو وليامز، رئيسة بالإنابة لبعثة الأمم المتحدة فى ليبيا بعد استقالة سلامة إلى أن يتم اختيار وتعيين مبعوث جديد. وكانت وليامز نائبة غسان سلامة منذ يونيو 2018، وهى خبيرة فى الشئون العربية والشرق الأوسط، حيث سبق أن عملت فى السفارات الأمريكية فى العراق، والبحرين، والأردن، ومنصب كبير المستشارين لشئون سوريا، ومديرا لمكتب المغرب العربى.
وبدأت الترشيحات لمنصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، ومن هذه الترشيحات الدبلوماسى السودانى يعقوب الحلو، ووزير خارجية تونس السابق خميس الجهيناوى، والدبلوماسية الأمريكية ستيفانى توركو وليامز. وقد رشح أمين عام الأمم المتحدة وزير خارجية الجزائر الأسبق رمطان لعمامرة، وحصل على موافقة مبدئية من الأعضاء غير الدائمين فى مجلس الأمن وبقى رأى الأعضاء الخمس الدائمين. ولكن جاء فى تصريح للمتحدث العسكرى باسم الجيش الوطنى الليبى اللواء أحمد المسمارى أنهم لا يرغبون فى أن يكون مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا من دول الجوار لأن هذه الدول على حد قوله شريك مهم فى ما تواجهه ليبيا. وبهذا التصريح يكون مرشح الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا إلى ليبيا قد لحقت به لعنة الأزمة الليبية حتى قبل أن يتم التصديق الكامل على اختياره ولم تشفع له خبراته السياسية والدبلوماسية الطويلة وترشيح الأمين العام للأمم المتحدة له.
وقد أشارت بعض التسريبات أن الأمين العام لجامعة الدول العربية رشح شخصية موريتانية، ولكن يبدو أن تحفظات ليبية قد تحول دون اختياره ويفضل رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، وهو رئيس القمة الإفريقية للعام الحالى، أن يتولى المنصب شخصية إفريقية وهذا ما صرح به رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج عقب لقائه مع رامافوزا فى بريتوريا، والذى أبدى له أن جنوب إفريقيا تقوم بدور فعال ومحايد لتحقيق السلام فى ليبيا على أساس اتفاق الصخيرات.
ويشير رأى رئيس جنوب إفريقيا والقمة الإفريقية إلى عدم الموافقة على ترشيح الدبلوماسية الأمريكية ستيفانى وليامز التى تتولى المنصب بالإنابة الآن، وإن عملية الاختيار تتطلب إما إعادة النظر فى الرأى الذى أبداه المتحدث باسم الجيش الوطنى الليبى، أو ترشيح شخصية إفريقية أخرى.
هل المشكلة فى أشخاص وإمكانيات المبعوثين الأمميين وبرامجهم واختياراتهم للمسارات نحو تحقيق حل سياسى للأزمة الليبية منذ أبريل 2011 حتى الآن؟ أم أن الأطراف الليبية المتصارعة والأطراف الإقليمية والدولية يرى كل منها أنه لا يزال أمامه فرصة لتحقيق مكاسب أو تفوق أكثر قبل التوصل إلى حل سياسى نهائي؟ ومما يشير إلى ذلك أنه لدى التوصل إلى اتفاق الصخيرات ساد اعتقاد لدى بعض الأطراف أنه يمثل إطارا عاما وشاملا للحل السياسى حتى وإن أدخلت عليه بعض التعديلات، وهو ما أكده مؤتمر برلين والأمم المتحدة من أن أى حل سياسى للأزمة الليبية أساسه اتفاق الصخيرات ولكن للأسف مازالت مواقف الأطراف المشار إليها متباعدة مما يحول دون وقف الصراع العسكرى والالتزام بالحل السياسى رغم تأكيد الجميع أنه لا حل عسكرى، وإنما الحل سياسى للأزمة الليبية. وكما يقول الشاعر مع تصرف أنهم يعيبون على المبعوثين الأمميين، والعيب فى الأطراف المتصارعة ومن يؤيدونهم.

مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

الاقتباس

هل المشكلة فى أشخاص وإمكانيات المبعوثين الأمميين وبرامجهم واختياراتهم للمسارات نحو تحقيق حل سياسى للأزمة الليبية منذ أبريل 2011 حتى الآن؟ أم أن الأطراف الليبية المتصارعة والأطراف الإقليمية والدولية يرى كل منها أنه لا يزال أمامه فرصة لتحقيق مكاسب أو تفوق أكثر قبل التوصل إلى حل سياسى نهائي؟

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات