«1970».. آخر أيام البطل التراجيدى - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2020 9:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«1970».. آخر أيام البطل التراجيدى

نشر فى : الخميس 20 فبراير 2020 - 8:05 م | آخر تحديث : الخميس 20 فبراير 2020 - 8:05 م

لم يشغلنى التصنيف أثناء قراءة هذا النص السردى المهم لصنع الله إبراهيم، وإن كنت أعتبره «رواية تاريخية»، أو سردية مادتها المرويات التاريخية بالأساس، ولكن شغلتنى أكثر طريقة البناء المدهشة، التى أعادت بعث عام فاصل فى حياة المصريين، وفى تاريخ البطل التراجيدى جمال عبدالناصر.
شغلنى كذلك هذا الإصرار على أن تكون مادة السرد مرويات أو كتب أو مذكرات أعرف الكثير من مصادرها، وبأقل قدر من تدخل الخيال، ومع ذلك لم أشعر لحظة بأننى أقرأ كتابا فى التاريخ، ولم أفقد أبدا الشعور بأننى أمام نص سردى فنى.
أتحدث عن رواية «1970» الصادرة عن دار الثقافة الجديدة، التى يوثق فيها صنع الله إبراهيم العام الأخير فى حياة عبدالناصر، أو بالدقة الشهور الأخيرة، لأن الرواية تنتهى بجنازة عبدالناصر، ولا تكمل بقية السنة، والتوثيق هنا ليس بمعنى التأريخ كما يظن البعض، ولكنه يعنى قراءة صنع الله نفسه لما قرأ أو اكتشف من عناوين الصحف، أى أنها قراءة فنية سردية وذاتية بالأساس، تنطلق إلى فلاشات ماضية يقيم فيها صنع الله التجربة الناصرية بأكملها، وينبش أيضا فى طفولة عبدالناصر وثقافته ولحظات التحول فى حياته.
مادة العمل صلبة وواضحة، وتبدو موضوعية، ولكن هذا الشكل المتماسك لا يزعم أبدا أنه التاريخ، إنه «رواية عن تاريخ مكتوب»، لمسات الفنان تبدو مختفية، ولكنها موجودة بقوة، ليس فقط باختيار الشكل التاريخى، مع أن موهبة صنع الله قادرة أن تجعل الحدث التاريخى منعكسا على شخصيات روائية كما فعل مثلا فى «نجمة أغسطس» و«1967»، ولكن الفن فى اختيار ما يأخذ وما يترك، وفى الانتقال بين ملامح العام من خلال كولاج العناوين، وبين ملامح الرجل من خلال كولاج الصراعات الداخلية والخارجية التى تعانى منها الشخصية.
ولكن الملمح الفنى الأبرز فى تشكيل هذه المرويات التاريخية، فى رأيى، هو حضور صنع الله نفسه بآرائه وأفكاره متفقا أو مختلفا مع عبدالناصر، واستخدام ضمير المخاطب مع بطله التراجيدى، إنه لا يستحضره أمامه فحسب، بل إنه يستحضر ذاته كسارد فى وجوده، الاستحضار هنا يمنح الوجود المزدوج للطرفين، وكأننا أمام بطلين: أحدهما واضح هو عبدالناصر بالطبع، والثانى ضمنى هو صنع الله، الذى لا يريد ساردا عليما مستعارا، والذى يلغى الحوار تماما ليستعيض عنه بخطابه المباشر للزعيم، يبعثه أمامه من جديد، يبلغه تأييده ودعمه فى مواقف بعينها، ويلومه ويحمله المسئولية فى مواقف أخرى، بل ويقول له فى النهاية: «خذلت نفسك وخذلتنا... ثم ذهبت، وذهبت معك مقدرات أمتك وآمالها... إلى حين».
هنا حوار ضمنى من طرف واحد: صنع الله، ولعل جيله معه، يخاطب الزعيم مباشرة، بعد أن ظل الزعيم هو الذى ينفرد بالخطاب طوال عهده، آراء ناصر ومقولاته حاضرة من خلال السرد، ولكن الكاتب هو الذى يصنع صورة العام والزعيم معا، هو الذى يقيم الحصاد كله، متأثرا بالطبع بموقفه الأيديولوجى، ولا ننسى أنه عاصر وعاش وسمع ودخل سجون الزعيم.
موضع الفن هنا أن الجرانيت كتلة واحدة، ولكن ضربات الإزميل هى التى اختارت وشكلت التمثال، ليس فقط فيما اختارته من شهادات ومرويات تاريخية، ولكن فى بناء كولاج العناوين التى تصنع مقابلات مونتاجية ذهنية ساخرة. الفن أيضا فى عدم الإضافة لأن هذا العام، بل حياة ناصر كلها كانت صراعا خالصا، وفى الربط بين ماضيه وعامه الأخير من خلال تاريخ يوم ميلاده أو يوم 23 يوليو، والفن كذلك فى تخيل ما جال فى خاطر عبدالناصر فى لحظات فارقة، وفى معنى الرحلة كلها بأنه مهما كانت عظمة الحاكم، فلا يجب أن تترك البلد أمرها إليه، هذا الخاطر جال بالتحديد فى ذهن ناصر فى ساعاته الأخيرة، أو بمعنى أدق ما أراد له صنع الله أن يجول فى خاطر ناصر.
«1970» من أهم الروايات عن عبدالناصر وعصره وزمنه، ليست تاريخا وإن كان التاريخ مادتها، وهى مرآة لآفكار وآراء مؤلفها قبل أى شىء. ليست أيضا رواية عن موت عبدالناصر، بل لعلها رواية عن رسوخ عبدالناصر وحياته، وما يمثله فى عقل وقلب وذاكرة صنع الله ابراهيم، فكأنه الحاضر المخاطب الذى لا يغيب.

التعليقات