قضية المسلمين الروهينجا أمام محكمة العدل الدولية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2020 8:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قضية المسلمين الروهينجا أمام محكمة العدل الدولية

نشر فى : الخميس 19 ديسمبر 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 19 ديسمبر 2019 - 9:30 م

تعد قضية المسلمين الروهينجا من القضايا المأساوية التى تنفجر وتسفر عن سفك الدماء وحرق قرى بأكملها وقتل واغتصاب على الهوية ودفع الآلاف من المسلمين الروهينجا إلى الفرار لجوءًا إلى الدول المجاورة تاركين بيوتهم وممتلكاتهم وأعمالهم إلى حياة بائسة ومعاناة فوق الطاقة لا تعرف لها نهاية. وينهض العالم منددا ومستنكرا ما يتعرضون له من مذابح وجرائم إبادة جماعية ولكن سرعان ما تهدأ الأمور وتعود سلطات ميانمار إلى ممارسة مظالمها المنهجية ضد أقلية المسلمين الروهينجا فى ولاية راخين.
وهذه القضية ترجع إلى ما قبل عام 1940 وإن تصاعدت وتيرتها منذ هذا التاريخ. وأسباب هذا العداء الشديد من أغلبية سكان ميانمار (بورما) البوذيين تجاه المسلمين الروهنيجا، أنهم يرون أن هذه الأقلية مهاجرة ودخيلة لا تنتمى إلى شعب ميانمار وأنهم جاءوا من بنجلاديش أو ما كان يعرف بولاية البنغال ومن الهند واستقروا ونسبوا أنفسهم بالأمر الواقع إلى ميانمار.. فهم من أصول هندية لها حساسية شديدة لدى البوذيين فى ميانمار. كما أنهم يؤمنون بالإسلام والذى يعاديه البوذيون المتشددون أشد العداء ويرون فيه خطرا عقائديا على معتقداتهم ونقطة قد تؤدى إلى تزايد انتشاره فى البلاد. وقد تزايد العداء للإسلام فى العقود الأخيرة تأثرا بالإسلاموفوبيا التى انتشرت فى عدة دول بعد انتهاء الحرب الباردة وعودة العصبيات القومية والدينية والقبائلية فى كثير من دول العالم وتنامى ظاهرة التفكك والانقسام فى عدة مناطق من العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتى وبعض الدول الأوروبية فى منطقة البلقان مثل يوغسلافيا التى انقسمت إلى عدة دويلات.
***
لذا فقد اتسمت العلاقات بين الأغلبية البوذية فى ميانمار وأقلية المسلمين الروهينجا على مدى سنين طويلة بالتوتر والقسوة وسوء معاملة المسلمين سواء من جانب أغلبية الشعب أو السلطات خاصة الجيش وقوات الأمن. ولكن ما حدث فى 2016 و2017 والذى امتد بدرجات أقل خلال عامى 2018 و2019، قد بلغ مداه فى تجاوز كل القوانين المحلية والدولية وحقوق الإنسان بل وصل إلى حد ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية على أيدى قوات الجيش والأمن فى ميانمار، حيث ارتكبت عمليات قتل واغتصاب وحرق جماعى ضد المسلمين الروهينجا وحرقت قرى بأكملها وأحرقت بيوتا وسكانها بداخلها، وقدرت أعداد من لقوا حتفهم بنحو 24 ألف شخص منهم نساء وأطفال ورجال. كما أرغم نحو مليون شخص على الفرار عبر الحدود لاجئين إلى الدول المجاورة هربا من هذه المذابح والجرائم ضد الإنسانية، وقد بلغ عدد من لجئوا إلى بنجلاديش وحدها نحو 730 ألف من المسلمين الروهينجا.
وعلى الرغم من أن حكومة ميانمار فرضت قيودا صارمة على دخول الإعلام إلى ولاية راخين التى يسكنها المسلمون الروهينجا لمتابعة ما يحدث ورصده وتسجيله، فإن المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، وعدة منظمات إنسانية وحقوقية أخرى استطاعت أن ترصد وتسجل عدة قرائن مادية لا تقبل الجدل أو الشك بأن قوات الجيش والأمن فى ميانمار قد ارتكبت جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية فى حق المسلمين الروهينجا أدت إلى فقدانهم حياة أعزاء لهم وممتلكاتهم واضطرارهم إلى الفرار هربا إلى الدول المجاورة. كما نددت الأغلبية العظمى من دول العالم فى أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والدول الإسلامية والعربية بجرائم الإبادة الجماعية هذه وطالبت حكومة ميانمار بوقف ممارسات هذه الجرائم وتوفير الحماية القانونية والأمنية والإنسانية للمسلمين الروهينجا باعتبارهم مواطنين لهم كل الحق فى هذه الحماية وفقا للقوانين المحلية والدولية.
كما ناشد أغلبية الدول زعيمة ميانمار السيدة/ سوتشى الحاصلة على جائزة نوبل عام 1991 لنضالها من أجل الحرية والديمقراطية، أن تتدخل وتخرج عن صمتها وتعلن رفضها واستنكارها لهذه الجرائم وتعمل على وقفها وحماية المسلمين الروهينجا والمساعدة على عودة المهجرين منهم قسرا إلى الدول المجاورة خاصة بنجلاديش. ولكن السيدة/ سوتشى عندما خرجت عن صمتها بررت هذه الجرائم وتبنت مقولة قوات الجيش والأمن بأنه قد يكون حدث إفراط فى استخدام القوة أو بعض التجاوزات ولكنها كانت فى إطار الرد على أعمال العنف التى يقوم بها ما يعرف بجيش الخلاص للروهينجا وهجومهم على بعض نقاط الأمن خاصة على الحدود، وأنكرت أن تكون قوات الجيش والأمن قد ارتكبت جرائم إبادة جماعية ضد الروهينجا.
***
وإزاء هذه الأوضاع المتردية والمعاناة الإنسانية التى تفوق كل احتمال والتى يتعرض لها المسلمون الروهينجا، وتمادى الحكومة والسلطات فى ميانمار فى الإنكار والتقاعس عن توفير الحماية الواجبة لجماعة من شعب دولتهم، فقد كلفت منظمة التعاون الإسلامى والتى تضم فى عضويتها 57 دولة، دولة جامبيا الإفريقية لترفع قضية أمام محكمة العدل الدولية ضد حكومة ميانمار لمعاقبة المسئولين فى الجيش وقوات الأمن والحكومة على ارتكاب جرائم إبادة جماعية فى حق الروهينجا وجرائم ضد الإنسانية تجاههم، وإلزام الحكومة بتوفير الحماية والرعاية الواجبة لهم وإعادة المهجرين إلى بيوتهم وممتلكاتهم.
وقدمت جامبيا الدعوى إلى محكمة العدل الدولية فى نوفمبر 2019 طالبة سرعة اتخاذ إجراءات نظر هذه القضية الإنسانية العاجلة. وقد بدأت المحكمة المكونة من 17 قاضيا عقد جلسات استماع لأطراف القضية على مدى ثلاثة أيام فى الفترة من 10 إلى 12 ديسمبر 2019 فى مقر المحكمة فى لاهاى.
واللافت للانتباه أن زعيمة ميانمار ــ اون سان سوتشى ــ هى التى رأست وفد بلدها للدفاع أمام المحكمة وذلك يوم 11 ديسمبر حيث كررت مواقفها السابقة بأن رفضت الاتهامات الموجهة لجيش بلادها بارتكاب أعمال إبادة جماعية فى حق أقلية الروهينجا، ووصفتها بأنها اتهامات غير مكتملة ومضللة، وأن الجيش ربما يكون قد لجأ إلى استخدام غير مناسب للقوة ولكن ذلك لا يثبت وجود نية بالقضاء على أقلية المسلمين الروهينجا. وقد صاحب حضور سوتشى أمام المحكمة مظاهرات نظمها أنصارها من نحو 260 شخصا أمام مقر المحكمة فى لاهاى، كما نظمت مظاهرات فى عدة مدن فى ميانمار تأييدا لموقف الحكومة والجيش ورفض الاتهامات الموجهة لهم والأعراب عن تأييدهم والوقوف معهم.
وتولى وزير العدل فى جامبيا رئاسة وفد المحامين المدافعين عن حقوق المسلمين الروهينجا أمام المحكمة موضحا أن ميانمار متهمة سلطاتها بارتكاب جرائم إبادة جماعية هدفها القضاء على جماعه الروهينجا المسلمة بصفتها، سواء كان قضاء عليها بشكل كامل أو جزئى عن طريق القتل الجماعى والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسى، والتدمير الممنهج بحرق قراهم غالبا أثناء وجود السكان داخل منازلهم. وطالب الوزير المحكمة بضرورة سرعة العمل على وقف الإبادة الجماعية الجارية فى ميانمار ضد أقلية المسلمين الروهينجا، وأن تكف السلطات فيها عن تلك الجرائم الهمجية والوحشية التى أفزعت ومازالت تفزع الضمير الجماعى.
ولكن محكمة العدل الدولية ليست لها صلاحيات تنفيذية، وإن كانت أحكامها نهائية ولها وزن كبير من الناحية القانونية الدولية. وقد يستغرق نظر القضية عدة سنوات دون استجابة من السلطات فى ميانمار لحسن معاملة المسلمين الروهينجا.
وإذا كانت منظمة التعاون الإسلامى قد اختارت جامبيا ذات أغلبية السكان من المسلمين لترفع قضية ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية، فإنه يتعين على الدول الإسلامية الأعضاء فى المنظمة أن تتخذ من الإجراءات العملية لمعاقبة سلطات ميانمار على ارتكاب هذه الجرائم وفرض مقاطعة شاملة ضدها إلى أن تكف عن ارتكاب جرائم الإبادة ضد المسلمين الروهينجا وتسمح لمن لجأوا منهم إلى الدول المجاورة وخاصة بنجلاديش بالعودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم حيث أنها لم تقبل إلا أعدادا قليلة قد تزيد قليلا على ألفى لاجئ. وبدون إنزال أشد العقوبات الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية عليها فقد لا تتوقف عن ممارسة هذه الجرائم حتى وإن كان على فترات متقطعة.

مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات