ملفّ عودة المورّطين فى التطرّف العنيف.. من الصدمة إلى إدارة الأزمة - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 12 ديسمبر 2019 3:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ملفّ عودة المورّطين فى التطرّف العنيف.. من الصدمة إلى إدارة الأزمة

نشر فى : الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 10:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 10:40 م

نشرت جريدة المغرب التونسية مقالا للكاتبة «آمال قرامى» وجاء فيه:
يعاد طرح موضوع عودة المورّطين فى التطرّف العنيف بين الحين والآخر، فترتفع أصوات تتوعّد وتدين وتشتم، وتُنظّم مبادرات للضغط على الحكومة ثمّ سرعان ما تطوى الصفحة لنهتمّ بعسر تشكيل الحكومة ونتكهّن بمختلف المسارات الممكنة، وكأنّه لا مجال للتعامل مع هذا الموضوع بكلّ جديّة، وكأنّه لا مفرّ من اعتماد خطّة «الهجوم الدفاعي»، وكأنّ التعامل مع هذا الملفّ لا يكون إلاّ من زاوية انفعاليّة، وكأنّه كتب علينا ألا نفتح باب النقاش حول موضوع تسعى كلّ الدول إلى مواجهته بكلّ مسئوليّة.
ولكن لِـمَ يهاب المجتمع التونسى فتح النقاش العامّ؟ لم تتجنّب وسائل الإعلام الخوض فى موضوع معقّد وخطير؟ وهل يمثّل موقف الهروب من مواجهة هذا الملفّ الحلّ الأمثل؟
نُواكب منذ سنوات المؤتمرات التى عقدت فى مقار مجلس الأمن فى نيويورك، وجنيف ونيروبى، والندوات التى أقيمت فى إثيوبيا والنرويج والمغرب وسيريلانكا وغيرها من البلدان حول «عودة المقاتلين/الجهاديات/الأطفال»، وحول برامج التأهيل وإعادة الإدماج فيزداد يقيننا بأنّ طريقة تعامل الدولة التونسيّة مع ملفّ العودة مثيرة للاستغراب فشتّان بين ما يصرّح به المسئولون فى الخارج من التزام بالقرارات الدوليّة والسياسات العامّة وموقف الصمت الذى يلتزمون به فى الداخل وكذا الأمر بالنسبة إلى الوزارات التى انخرطت فى خطّة العمل الوطنية فإنّها تستمرّ فى التظاهر بأنّها غير معنيّة بهذا الموضوع، والحال أنّها تبنّت سياسات ظلّت إلى اليوم تفتقر إلى التنسيق الشامل.
وفى نفس السياق، تلقّى عدد من الجمعيّات المنخرطة فى الحماية من خطر التطرّف العنيف والوقاية، والأمن والسلام.. الدعم الأجنبيّ لإقامة الندوات وتنظيم دورات التدريب ولكنّها تظلّ ملتزمة بالصمت عندما تُعاين موجات الغضب الشعبيّ. ولكن إلى متى يستمرّ هذا النكران والهروب والخوف من مواجهة الفئات الرافضة لعودة «الدواعش؟»، أما آن الأوان لمصارحة التونسيين بالإكراهات التى تفرضها السياسات الدولية؟
لابدّ من التذكير بأنّ العودة قد حدثت بالفعل وهذا أمر لا مرية فيه؛ إذ نجد فى السجون التونسية عددا من الذين حوكموا بعد إدانتهم، وترد فى بعض الدراسات الغربية شهادات لتونسيين وتونسيات تسلّلوا إلى البلاد قبل سقوط دولة الخلافة، وهم يعيشون بيننا يتفاعلون مع الدارسين الغربيين بأريحية ويرفضون الإدلاء بأيّ تصريح للباحثين التونسيين لأسباب يطول شرحها، ومعنى هذا أنّ النقاش هو حول عودة صنف من التونسيين يقبعون فى السجون والمخيمات وما عاد أمامهم خيار إلاّ العودة عبر القنوات الرسميّة بعد أن أضحى الفرار مستحيلا.
ولابدّ أن نشير إلى أنّ العودة المنظّمة أفضل بكثير من التسلّل إلى ربوع البلاد والتغلغل فى النسيج المجتمعى ذلك أنّ مواجهة الملفّ حتّى وإن كانت أمنية، تبقى الإجراء الأفضل فى ظلّ غياب الإمكانيات المادية التى تسمح بإنشاء الأماكن المخصّصة للتأهيل وإعادة الدمج لفئة يعسر إدانتها لغياب الحجج.
ويتعيّن علينا أن نصرّح بأنّه ليس أمام تونس خيار فهى مثلها مثل عدد كبير من البلدان مطالبة بإعادة مواطنيها ذلك أنّ المسئولية تُلقى على عاتق الدول، ولا يمكن أن تتكبّد العراق وسوريا وليبيا مصاريف إيواء هؤلاء سواء إن كانوا «مقاتلين سابقين»، (وهى التسمية الجديدة لمن ذهبوا إلى بلدان النزاع بدعوى الجهاد) أو داعمين لدولة الخلافة أو ضحاياها كالمراهقين الذين اختطفوا.
وعلينا أن نلفت الانتباه إلى التحيّز الجندرى فى التعامل مع هذا الملفّ، إذ لا زال المسئولون والإعلاميون يتحدّثون عن الجهاديين/الدواعش/ متجاهلين الفتيات والطفلات والنساء اللواتى يُستبعدن من بنية الخطاب، والحال أنّ الدراسات الأخيرة تثبت أنّ منهنّ فئة تعدّ أشدّ خطورة على المجتمع من الرجال فهنّ يشرفنّ على حماية الأيديولوجيا الجهادية فيرسخّنها فى عقول الصبيان، وأكثرهنّ لا يرغبن فى العودة وسيسقنّ قسرا إلى بلدانهنّ.
ونذهب إلى أنّ موقف الرفض بدعوى تجنّب المخاطر غير مقنع فالعشائر العراقية التى أدانت من عادوا، وعاقبتهم بالوصم الاجتماعى والنبذ حوّلتهم دون قصد إلى أعداء جدد، ولذا واصلوا الاستقطاب ثمّ فرّوا ليعودوا للانتقام من مجتمع لفظهم.
يقتضى بناء الديمقراطية المسئولة مواجهة المصاعب بكلّ شجاعة لا الفرار منها، وتتطلّب المواطنة المسئولة البحث عن الحلول لا سدّ المنافذ، وإذا لم نبادر (الحكومة والمجتمع المدنى، والعائلات...) بفتح نقاش مجتمعى رصين ووضع السياسات الملائمة فإنّ «التقيّة» و«الستر» ستغدو من الوسائل المفضلّة لإدارة هذا الملفّ.

المغرب ــ تونس

التعليقات