طعم النوم أم طعم الكتابة؟ - سيد محمود - بوابة الشروق
الخميس 12 ديسمبر 2019 3:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

طعم النوم أم طعم الكتابة؟

نشر فى : الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 10:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 10:35 م

لا يمكن لمن يقرأ رواية (طعم النوم) التى اصدرتها الدار المصرية اللبنانية للكاتب طارق امام الا ان يتوقف أمام تدفقها السردى والحيل اللغوية التى تشغل صاحبها املا فى الوصول بالقارئ إلى تذوق طعم الكتابة.
ويصعب فصل الرواية عن العالم الفنى للكاتب الذى تميز بين ابناء جيله بشغفه البالغ بعوالم الف ليلة وليلة وبتقنياتها السردية القائمة على توالد الحكايات وتناسلها.
ويمكن تتبع هذه التقنية فى أعماله كلها، كما لا يمكن فصل عوالمها عن انشغالاته الروائية فى عملين رئيسين له هما (حكاية عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها) و(الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس) وبدرجة اقل فى (مدينة الحوائط اللا نهائية).
والمثير فى الرواية هى اللعبة التى يلعبها الكاتب عبر إشارته لرغبته فى معارضة عملين بارزين فى الادب العالمى المعاصر، الأول: هو الجميلات النائمات للأديب اليابانى ياسنورى كاواباتا والثانى هو ذاكرة غانياتى الحزينات لجابرييل جارسيا ماركيز المؤسس بدوره على الولع بنص كاواباتا.
وعلى أساس هذه المغامرة يضرب امام اكثر من فرشاة فى لوحة واحدة، فهو مرة يلعب بقفاز شاعر يظهر حيله اللغوية ويخفيها فى قماشة سردية ناعمة ومرات يتحرك بمهارة لاعب السيرك فى السيطرة على كل الأصوات التى يستدعيها من عوالمها الراسخة ويصهرها فى نسيج لعبته القائمة على تأسيس بيت للرغبة تحركه (شهرزاد).
وهذا البيت يقدم خدماته للعجائز وتأتى اليه امرأة ترغب فى الانتقام لشقيقتها بما يذكر ببطلة دعاء الكروان لطه حسين التى جاءت لتقتل فوقعت فى الحب ومثلها لا تتخلى بطلة امام عن المسدس تحت وسادتها وهى تستبدل مهمة القتل باستعادة رغبات الاجساد الممددة فى الموات.
والحكاية الجديدة لا تقوم فقط على أساس الولع بالتناقض بين الموت والحياة أو التذكر والنسيان وإنما على (توطين الشك) فى الشخوص والأدوار التى لعبوها.
وفى تواتر يجيده الكاتب عبر الانتقال بين ازمنة سردية متواترة مدفوعا بتقنية (إعادة التدوير) وإيقاظ الاصوات المقموعة فى الحكايات القديمة لتقدم روايتها البديلة ومقاومة ما قد ترسخ ويعمل الكاتب على تبديده.
وعبر تكرار وحداته السردية بالغة القصر يبدو الكاتب شبيها بصانع الارابيسك الذى يصر فى كل مرة على خلق لوحة تحتفى بتكرار انتاج نفس الوحدات لتأكيد المهارة أو الإمعان فى التجريد. ومفارقة الواقع المعاصر الذى تظهر تفاصيله كأطياف.
وتأسيا بهذا النوع من الفنانين أدمن طارق امام كتابة النص متعدد الخلايا الذى لا يقوم على أساس المعارضة وإنما على الرغبة فى التحاور مع نصوص تأسيسية فالكتابة التى حققها هى محاولة لإعادة التأويل عبر انتاج (نص على نص)، وحين يستدعى نفسه بالاسم والدور داخل النصوص بعد تبدى واحدة من البطلات إعجابها بأحد نصوصه الصحفية المنشورة فإن هذا الاستدعاء يضاعف من حالة (الآن وهنا) التى ارادها بطريقة (كسر الإيهام) ليؤكد من خلالها منطق اللعب والمغامرة.
فالكاتب منشغل بما يسمى (الميتا رواية) ما يضاعف من مسؤلياته ومن حضوره. فالمسافة بين الكاتب ونصه ليست دائما ضرورية.
وتحتفى الرواية كذلك بالعديد من المقولات أو الجمل العلامات التى تتحرر وتتحول كذلك إلى جمل شبيهة بالأيقونات اللغوية الفريدة ومنها قوله (فى النوم يصبح الجميع شعراء) أو ما يقوله (التذكر هو نسياننا المكتمل).
ويستحق موقف الكاتب من مدينة الاسكندرية وقفة تأمل لانها المدينة التى يتناثر حضورها فى اكثر من نص بين نصوصه لكنها هنا تنتقل من القضاء الغرائبى إلى فضاء ديستوبيا أو المكان الخبيث وتتحول معه من (سرير شاسع) إلى ساحة لإحياء الرغبات الميتة وتتجلى فيها فكرة المتاهة النصية أو تبدو موضوعا للانتهاك المتواصل كما تصلح موضوعا للرثاء الذى لا يتوقف.