صديقتى اللؤلؤة - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:48 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


صديقتى اللؤلؤة

نشر فى : الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 9:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 9:05 م
تلمع عينا صديقتى الكبيرتان وهى تحدثنى عن قريتها، وعن مجموعة جدات كن يجلسن على كراس من القش كل ليلة للتسامر وللتشاور عن أمور بيوتهن وأمور القرية. يجتاح وجهها اللون الوردى من شدة اندماجها فى الحديث، فابتسم لسعادتها وأسمع القصص الملونة على طريقتها، فهى حكواتية بارعة تنقل بكلماتها من يسمعها إلى قلب الحدث، حتى يخيل إلينا جميعا أننا عشنا ما تصفه وأننا نسترجعه معها.

صديقتى الجميلة إنسانة تمزج العلم والمعرفة بخفة الدم، الوضوح فى الأفكار مع عمق المحبة تشعرك بهما دون كلمات بعينها. علمها ليس فقط أكاديميا رغم حيازتها على شهادات جامعية مرموقة، الأهم هو فهمها للناس وللشارع وللتركيبات الاجتماعية والإنسانية، ووضعها جميعها فى سياق سياسى وتاريخى واضح.

تعرفت عليها من خلال أصدقاء، ورغم أننى لا أراها كثيرا بسبب انشغالى وانشغالها، فإننى لا أشعر بأن تطور صداقتنا قد ارتبط بعدد لقاءاتنا. دخلت قلبى وتصرفت وكأننى قريبتها، تحكى لى عن أشخاص لا أعرفهم، إنما أعرف أن منعم هو ابن خالتها المفضل وهالة هى صديقة طفولتها التى شاركتها مقعد المدرسة الابتدائية، ثم تزوجت وانتقلت إلى إحدى دول الخليج حين كبرتا.

***
بدأت أخيرا ألاحظ أن الانشغال بالأمور الحياتية والمهنية والعائلية قد يكون سببا يقلل من فرص اللقاء، ومع ذلك فقد بدا لى أن هناك شيئا أعمق من زخم الحياة يحول دون تكرار لقاءاتنا. لاحظت أن صديقتى إنسانة تحفظ بعض المسافة بينها وبينى رغم المحبة المتبادلة، فحين ألتقيها تكون نقية فى مودتها شفافة فى مواقفها، تعبر عن رأيها بشكل لا يمكن أن يساء فهمه ويدل على أنها وصلت إلى تلك الخلاصة وذلك الرأى بعد بحث دقيق وتفكير طويل. لقاؤنا دوما حيوى جدا لا نسكت فيه، نتحدث بشغف ونحب أن نقفز من موضوع إلى آخر ثم نعود إلى الموضوع الأول وهكذا. ولكننى بت على يقين أن هنالك شيئا فى صديقتى بات واضحا أننى لا أصل إليه.

ثم رأيتها: هى كلؤلؤة بيضاء صافية ينعكس على وجهها المشرق نور الشمس فتلمع، مدورة ناعمة الملمس لكنها صلبة متماسكة. تعيش فى القوقعة ولا تسمح أبدا للغريب أن يدخل إليها دون إذن. تفتح القوقعة حين تحتاج إلى الغذاء فتدخل إلى دارها الهواء والماء والطعام والنور بإرادتها ريثما تأخذ حاجتها من العالم الخارجى، ثم ترجع إلى الوراء وتختفى فى الصدفة، فيخرج الدخلاء وتغلق الباب إلى أن تحتاج مرة أخرى لفتح قوقعتها من جديد.

لا أستطيع أن أعاتبها فحين ألقاها أشعر أننى قريبة منها، فهى تروى لى تفاصيل حياة لم أكن جزءا منها لأنها تفاصيل حدثت قبل أن أعرفها. ألاحظ أننى لا أعرف الكثير عن تفاصيل حياتها الآن، وحتى وهى تطلعنى على أحداث بعينها، فهى تبقى الكثير من عواطفها داخلها، فبينما أستطيع أرى من ملامحها وحركاتها إن كانت مرتاحة فرحة أو متعبة، إلا أننى لا أعرف متى تكون مضطربة أو قلقة أو مشككة، فهى تعبر عن موقفها أو عن رأيها دون أن تشاركنى التفكير، بمعنى أننى لا أكون جزءا من نقاش يقنعها بشىء إنما أكون المتلقى لما وصلت إليه. ربما أثرنا نحن الاثنتان أن نكرس وقتنا حين نلتقى مزيجا متوازنا من الحديث عن الشأن العام والقصص العائلية القديمة لكل واحدة منا. ربما ما يربطنا هو شعور أننا كان يجب أن نلتقى منذ سنوات طويلة، ونبدأ صداقتنا من هناك، حيث مرجعياتنا وحيث تفاصيل لا تعرفها إحدانا عن مكان وتفاصيل نشأة الأخرى.

***
أذكر أننى منذ فترة كنت قد قلت لنفسى أننى على الأغلب لن أبنى صداقات جديدة تكون عميقة، كما قالها الكثيرون من قبلى حين شعروا أنهم قد رسخوا العلاقات التى تهمهم وتخلصوا من تلك التى كانت ثقيلة على قلوبهم. أظن أننا نصل إلى مراحل، ليست بالضرورة عمرية إنما قد تكون مراحل فى نضجنا العاطفى والإنسانى، نشعر فيها أنه من الصعب علينا أن نبدأ علاقات صداقة جديدة، لا سيما إن كان لدينا ما يكفينا من الصداقات ومن مصادر الطاقة والعاطفة والمعرفة بل حتى أحيانا المصلحة. ثم ننتبه أننا تعرفنا على شخص أحببنا أن نراه من جديد، شدتنا طريقة تفكيره، ربما تداخلت حياته بحياتنا فى وقت سابق دون أن نلتقى، ربما عشنا فى نفس الشارع فى مدينة بعيدة لكن فى مراحل مختلفة. نلاحظ أن الصداقات الجديدة تبنى على أسس مختلفة عن تلك القديمة، قد تكون نتيجة وجودنا فى لحظة حاسمة بحضور ذلك الشخص، قد تكون لقاءات تجمعنا بشخص على أساس اهتمام محدد، وقد يكون الباقى غير مهم.

صديقتى اللؤلؤة أقنعتنى أن حبى لها غير مرتبط بطفولة قضيناها معا أو بزيارات متكررة، إنما هو مرتبط بلقاء يجمعنا فيكون ممتعا ومألوفا وعميقا، وأخرج منه بشعور أنها فعلا لؤلؤة فى حياتى، جميلة ونادرة وسرية نوعا ما، وهى من صداقاتى الجديدة التى دفعتنى لتغيير رأيى حول جاهزيتى للتقرب من أناس تعرفت إليهم حديثا. يبدو أن هناك فعلا فى الحياة مفاجآت، بعضها كهدية ملفوفة بورق ملون نستمتع بملمسه وألوانه، ونشعر أنه مع كل ورقة ملونة نفكها تظهر تحتها ورقة أخرى جميلة تشجعنا على الاستمرار، فالمتعة قد تكون أحيانا بفك الورق وليست بالضرورة فى الوصول إلى المحتوى.
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات