مساحة خاصة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

مساحة خاصة

نشر فى : الخميس 19 يوليه 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 19 يوليه 2018 - 10:30 م

يحتاج كل منّا إلى مساحة خاصة به وحده، مساحة يستر فيها عيبا أو يخفى فيها سرا أو يجتر فيها ذكريات حلوة ومُرّة، يكون فيها على طبيعته بعيدا عن المجاملات ومتجردا من كل الألقاب الاجتماعية والأكاديمية التى يخلعها الآخرون عليه أو يخلعها هو على نفسه. تختلف سعة هذه المساحة باختلاف طبيعة الشخص فهناك الشخص المنطو الذى ينظر إلى تفاعله مع الآخرين على أنه الاستثناء فى حياته، وهناك الشخص الحذِر الذى يسمع أكثر مما يتكلم فلا يَنْفُذ الناس إلى حياته الخاصة إلا بقدر ما يسمح لهم به، وهناك صاحب الوجهين الذى يٰظهر للخارج كل ما يتصل بأحد هذين الوجهين ويحجب تماما تفاصيل الوجه الآخر فإذا الناس لا يعرفون جوهره وإن امتدت علاقتهم به شهورا أو حتى أعواما. كل شخص من هؤلاء الثلاثة له نقيضه لكن الجميع يحتاج إلى مساحة لا يقترب منها الغير، بَعضُنَا يسمى هذه المساحة خطا أحمر وهو لفظ لا أتحمس له كثيرا بعد أن جرى انتهاك خطوط حمراء كثيرة وبات المصطلح من الناحية العملية غير ذى موضوع.
***
لا يقتصر تحديد النطاق الخاص بكلٍ منا على طبيعة شخصيته فحسب فالمجتمع أيضا يلعب دورا فى هذا وبالطبع النظام السياسى يلعب دورا هو الآخر، فهناك المجتمع الذى يجعل أكثر حياة الشخص مشاعا ويعطى لآخرين حق التدخل فى شئون الغير بحكم الدين أو السن أو السطوة الاجتماعية أو التقاليد فشيخ القبيلة له دور والأخ الأكبر له دور ورجل الدين أو حتى مدّعى العلم بالدِين له دور. وهناك النظام السياسى الذى يُوّسع جدا من واجبات المواطنين ويُضّيق جدا من حقوقهم وحرياتهم لا يفرق فى ذلك بين حريات شخصية وحريات سياسية.
***
فى بلداننا العربية تتقلص جدا المساحة الخاصة لآحاد الناس، فمن حق الكل أن يسأل لماذا لم تتزوج ولماذا انفصلت ومتى تنجب ولماذا أنجبت طفلا واحدا وكم راتبك وكيف توزعه على بنود المعيشة، أما السؤال عن «إيه الأحوال ؟« فهو سؤال عام إن أنت أجبته بما يليق وجدت نفسك مُطالبا بتقديم كشف حساب شامل لشخص لا يعنيه أمرك بالضرورة. الأهم والأخطر أن مجتمعاتنا تَسَلفت بقوة فى العقود الثلاثة الأخيرة، وانتحل كل أحد سلطة إبداء الرأى فى مظهرك وقولك وسلوكك تحت زعم أنه ينطق باسم الدين فإن شئت اختبار معلوماته فى الدين رسب بجدارة.
***
تداعى إلى ذهنى ما سبق بمناسبة موقف نتعرض لمثله جميعا وربما عدة مرات فى اليوم الواحد، موقف يبدو فيه مجرد عابر سبيل قّواما عليك باسم الدين.. عفوا باسم الترهات التى تتمسح فى الدين. كنت فى زيارة مع ابنتى وحفيدتّى قبل أيام لسوق الفسطاط ومسجد عمرو بن العاص والكنيسة المُعَلقة، هذا المثلث الذى يتضافر فيه الفن مع الدين، وتتواصل عبر زواياه حلقات التاريخين الإسلامى والقبطى، وتتجلى فيه عبقرية العامل المصرى الذى رفع هذا العامود ونقش هذه المنمنمة ونسج هذا القماش بصبر وحب وجمال. صلينا ركعتين تحية لمسجد عمرو بن العاص وتجولنا بين أروقته، توقفنا أمام سبيله الشهير وأخذنا عنده صورة تذكارية، قرأت للحفيدتين تاريخ المسجد المدوّن باختصار على لوحة متواضعة فوق الجدار وأجبت على ما خطر لهما من أسئلة خارج إطار هذا التاريخ الموجز، ظننت أننا أنهينا هذه المحطة من جولتنا بسلام لكن خاب ظنى.
***
خارج المسجد جلسنا نحن الأربعة ننظف أقدامنا ببعض المناديل المبللة، وبينما نحن كذلك إذا بالأرض تنشق ويظهر لنا رجل ستينى يوجه حديثه لى بلهجة آمرة: أنزلى ساقك الموجهة إلى وجه المسجد. لثوان لم أفهم ماذا يقصد صاحبنا الذى كان داخلا فيما يبدو للصلاة، كنت أضع ساقا على أخرى وكانت قدمى التى أنظفها فى اتجاه المسجد، فهل يقصد أن هذه الحركة تنطوى على عدم احترام للمسجد؟ بطبيعة الحال هناك العشرات من الإجابات المنطقية على هذا السؤال العبثى، أولها أننا أصلا خارج المسجد، وثانيها أن المسجد عند دخولنا كان يغص بنيام لاذوا به من شدة الحر وهؤلاء لابد أن يكونوا قد وضعوا أقدامهم فى مكان ما ولم يتركوها خارج المسجد، وثالثها أن حركة العربات الكارو عادية جدا أمام المسجد والعربات تجرها دواب ولم نقرأ لافتة تمنع مرور الدواب من أمام المسجد، ورابعها وخامسها.. لكن الإجابة/السؤال التى تليق بمثل هذا التطفل هى: ما شأنك أنت ؟ وقد قلتها للرجل بعد أن استوعبت الموقف بكل سخافته.
***
قالت لى صديقة إنها امتنعت عن صلاة التراويح بسبب مضايقات من هذا النوع تتعلق بشكل الإسدال الذى ترتديه وألوانه وما يجب وما لا يجب وهى التى كانت تحرص على أداء التراويح فى رمضان من كل عام، فرددت عليها بأن هذا الانسحاب هو الذى يؤدى إلى المزيد من الزحف على مساحاتنا الخاصة فى الشارع والمترو والشاطئ والمدرسة والجامعة وبالطبع فى المسجد. نحتاج أن ندافع عن خصوصياتنا بكل قوة ولا نسمح للآخرين بإخجالنا أو إشعارنا بالتقصير بدعوى أنهم الأفهم والأعلم، نحتاج أن نكون أنفسنا ونُحكّم عقولنا ولا نراجع سلوكنا عند كل ملاحظة متطفلة من أى عابر سبيل مثلما فعل صاحبنا على باب مسجد عمرو بن العاص.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات