المكان ذاكرة - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

المكان ذاكرة

نشر فى : الأربعاء 19 يوليه 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 يوليه 2017 - 9:30 م
يقولون إن للأماكن ذاكرة، وأن الحيطان تحمل ملامح من عاش داخلها. يقولون أيضا إن من يعيش فى بيت يترك دائما جزءا من نفسه فى غرفة حتى بعد أن يرحل. أحب كثيرا النصوص التى تصف علاقة شخص ما بمكان ما. أضع نفسى مكان الشخص، فأرى الغرفة بعينيه وأسمع ضوضاء الشارع تحت بيته كما يصفها. ألتقط رائحة باتت تمثل مدينة بأكملها بالنسبة لمن يصفها، فدمشق هى مزيج من نبتة مسك الليل ورائحة المازوت أو رائحة عوادم السيارات مع أثر رائحة ماء زهر الليمون. وبيروت هى رائحة الزعتر المرشوش فوق المنقوشة فى الفرن. أكاد ألعق بقايا السكر من على يدى وأنا أقرأ عن قرية فى الجبل فى لبنان، فقد وصفت سيدة قرية كانت تقضى فيها طفولتها، وعلقت هى زمنيا فى لحظة التهامها غزل البنات عند المساء فى ساحة القرية، وها أنذا أقف معها فى الساحة أطلب من البائع العجوز أن يعطينى كوزا فيه المادة السكرية الملونة.
***
أنا نفسى كثيرا ما ألعب الاستغماية مع الأماكن فى ذاكرتى. أختبئ خلف مكتبة والدى حيث كميات مهولة من الكتب والاسطوانات القديمة، وأراه شابا أربعينيا يسحب كتابا عن تاريخ صناعة السجاد اليدوى ليتأكد من معلومة يناقشها مع صديق يزوره. أظهر من بين ثياب أمى، فقد اختبأت فى خزانتها وشممت رائحة عطرها وأنا أتحسس بعض قمصانها، بينما تبحث هى عنى فى كل مكان فى البيت، فأسمع صوتها ينادينى ولا أرد. ثم أنتقل كمن داس على أزرار طائرة زمنية لأجد نفسى فى أحد البيوت التى سكنتها بعد أن بدأت عملى فى مجال المساعدات الإنسانية. البلد بعيد وفقير، الجو استوائى ولزج، رائحة الشجر كثيفة تتهادى إلى متمازجة مع رائحة بخور يتصاعد من معبد صغير فى آخر شارع البيت. 
***
استحضار الأماكن واسترجاع مشاعر سكنتنى فى فترة سكنى لمكان ما موضوع يشدنى كثيرا، فأنا شديدة التعلق بالأماكن، أرتبط بشدة بكل مكان أمضى فيه بعض الوقت، فأتخذ عادات يومية وأتعامل مع المكان وكأنه أكثر من محطة. تعلق القصص بذهنى من خلال استفزازها لحواسى الخمسة، فأتذكر أصوات الأشخاص وألوان ما حولى لحظة حدوث القصة، كما أسترجع رائحة تسيطر على حدث عشته، أو أذكر ملمس ورائحة جلد إحدى جدتى، فلجدتى من أمى رائحة صابون الغار البلدى بينما لجدتى من أبى رائحة عطر يدخل الزنبق فى تركيبته.
*** 
أربط كثيرا بين المكان وذاكرته، وأبقى وفية لأماكن أحببتها، حتى أننى حين أتركها كثيرا ما أشعر وكأننى على وشك خيانتها. أتعلق ببيوت أسكنها، فأسرِع من تثبيت حركاتى فيها وأخلق روتينا لى فى أرجائها. أستغرب ممن يؤكدون عدم ارتباطهم بالأماكن، ويصرون على أنهم يتعاملون مع البيوت وكأنها فنادق. أنا ألصق الأصوات على الحيطان علنى أتمكن من استرجاع الضحكات حين يرحل من أحب. أنا أرسم الذكريات على الأثاث حتى تتطاير كلمات أحبائى حين أجلس على الكنب كالفراشات الملونة حين تشعر بحركة قربها. أنا أوزع الورد البلدى فى البيت، فيحضر البيت إلى فى كل مرة أكون فيها بعيدة وأزور بائع الورد.
***
أظن أننى أترك جزءا منى فى كل مكان أعيش فيه. أظن أننى أطلب من المكان أن يحتفظ بقصصى على جدرانه. هناك شىء أنانى فى رغبتى بأن أضع علامة خفية على كل حائط اتكأت عليه. هناك شىء نرجسى فى رغبتى بأن أوقع اسمى على رصيف شارع فى مدينة أحببتها. هناك شىء أقوى منى يساعدنى على التأقلم الدائم مع الغربة، وهو أننى أرتبط بكل بيت وأصر على أن أصبح زبونة دائمة للبقال القريب. أريد أن أمر من أمام البقال فيرفع يده من بعيد ويقول أهلا أهلا صباح الخير.
*** 
الغربة بالنسبة إلى كانت خيارا، فقد اخترت مهنة فرضت على التنقل المستمر. إلا أننى حملت معى بيتى على ظهرى كالسلحفاة فى كل بلد. هو بيت متخيل أهرب إليه من الشمس ومن العاصفة. هو بيت صنعته من ذكريات ملونة كقصاصات ورق الزينة، جميلة تلمع ألوانها الزاهية وتحكى القصص. البيت أصلا مفهوم أكثر مما هو مكان. البيت هو حيث أستكين وحيث أشعر بالأمان. فكرت فى ذلك وأنا أجلس على الأرض فى درجة حرارة شعرت أنها قريبة من حرارة غليان الماء، فى خيمة صغيرة تسكنها عائلة سورية فى لبنان، خيمة نظيفة وشبه خالية إلا من أربع مخدات استقلبتنا عليها سيدة البيت بابتسامة عريضة وإصرار على أن نشرب عندها القهوة. 
عند مدخل الخيمة هيأت السيدة مكانا يشبه المطبخ، رصت عليه بعض الأوانى ونظفت فيه الخضار لتتمكن من طبخها لاحقا. حيطان الخيمة مصنوعة من مادة قماشية يدخل فى نسيجها البلاستيك، ثبتتها العائلة على عصى خشبية دقتها فى الأرض الجرداء. ماذا حمل النسيج من ذكريات فى السنوات الثلاثة التى قضتها العائلة هنا، تساءلت وأنا أستمع إليها تتحدث برقة ورضا عن تربيتها لأطفالها رغم بعدها عن أهلها ورغم شح الموارد. هى أيضا تطبع قبلاتها لأطفالها على جدران بيتها المصنوعة من قماش. هى أيضا تبخر مطبخها برائحة الثوم وهى تطبخ الباذنجان. هى أيضا صنعت لعائلتها مخبأ، وحضنت أطفالها دون أن تقول إنها تنتظر العودة.
***
المكان ذاكرة، وبيتى جدرانه ضحكات أطفالى وشبابيكه من أغنيات المدرسة أرى من خلالها العالم فأقرر أننى سأبقى داخله. المكان ذاكرة، وفى خيمة فاطمة فراشات ملونة تخرج من قلبها فترقص حول عائلتها. فاطمة لا تغادرنى منذ أن جلست معها، ربما أعود إلى زيارتها، أم ترانى تركت هناك، على جدار الخيمة القماشى، وعدا أن غربتها لن تطول، مع أننى لا أعرف بعد كيف أستطيع أن أوفى بوعدى لها؟

 

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات