ثقافة «البكينى» - سامح فوزي - بوابة الشروق
الخميس 24 يونيو 2021 5:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

ثقافة «البكينى»

نشر فى : الثلاثاء 19 يوليه 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 يوليه 2016 - 9:10 م
تحتفل دوائر الأزياء والموضة، وبرفقتها وسائل إعلام متعددة، بمرور سبعين عاما على ظهور ملابس البحر للنساء المعروفة باسم «البكينى» فى 5 يوليو 1946م. بهذه المناسبة نشرت صحيفة «ديلى ميل» البريطانية تقريرا ممتعا عن المناخ الاجتماعى الذى أحاط بظهور المايوه «البكينى»، وكيف تحول من رمز للانحلال منبوذ إلى ملابس أولى بالاتباع من جانب النساء فى مجتمعات العالم شرقا وغربا.

القصة بدأت عندما قرر مصمم الملابس «لويس لايارد» ــ الذى ورث المهنة عن والدته ــ أن يصمم ملابس بحر للنساء، مدفوعا بأمرين الأول: استخدام قماش أقل خاصة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، الأمر الثانى: ملاحظته أن النساء تميل إلى كشف بعضن أجسادهن، مستمتعين بالشمس على الشواطئ خلال فترة الصيف. لم يجد «لايارد» سوى راقصة عارية فى أحد ملاهى باريس على استعداد لتقديم اختراعه الجديد، الذى شكل ثورة فى حينها، لأنه جاء فى قطعتين، وليس فى قطعة واحدة كما كان الحال منذ أكثر من نصف قرن قبل اكتشاف «البكينى». وقفت الراقصة الفرنسية «ميتشل برناردينى» أمام أحد حمامات السباحة تعلن «المايوه» الجديد، والذى شغل اهتمام الناس، إلى حد أن صحيفة «هيرالد تربيون» الشهيرة وحدها خصصت تسع متابعات صحفية لملابس البحر الجديدة، التى سميت «بكينى» استلهاما لاسم التفجير الذرى الأمريكى آنذاك فى المحيط الهادى.
وتلقت «برناردينى» خمسين ألف خطاب من معجبين لها.

وخلال سبعين عاما من عمر «البكينى» كانت هناك معركة بين المتحررين والمحافظين، فقد وصفه الفاتيكان فى البداية بالخطية، وفرضت عليه بلدان أخرى الحظر مثل ايطاليا وبلجيكا واسبانيا والبرتغال واستراليا، وظل هناك شد وجذب، خاصة بعد أن تحول «البكينى» إلى رمز لتحرر المرأة، وتخففها من القهر ــ أى الملابس التى تفرض عليها على الشواطئ، وصار عنوانا للمرأة الرياضية، والمرأة الفائزة فى مسابقات الجمال، وغيرها. ودفع النساء إلى التخلص من الوزن الزائد، والاندفاع وراء عمليات التجميل، وغيرها.

تثبت معركة «البكينى» ما يردده دائما علماء الاجتماع من أن التغيير الاجتماعى، إذا أراده الناس، قد يلقى مقاومة من اتجاهات رافضة فى البداية، ثم ما يلبث أن يفرض نفسه، ويتحول إلى ممارسة اجتماعية مقبولة. المسألة تستغرق وقتا، وقدرة على المقاومة، وبين التحدى والمقاومة يحدث التغيير الاجتماعى. ملابس البحر لدينا هى انعكاس لثقافة المجتمع، هناك من ترتدى الملابس العادية أو تخفف منها قليلا، وهى الملابس التى كانت ترتديها النساء على الشواطئ فى أوروبا عام 1890م، ثم هناك من ترتدى الفستان القطعة الواحدة الضيقة الملاصقة للجسم، وهو الذى كان مستخدما فى أوروبا عام 1910، والطبقات الوسطى العليا ترتدى لدينا «مايوه» القطعة الواحدة، وهو الذى كان صيحة الموضة فى أوروبا عام 1930، واستمر كذلك حتى ساد «البكينى» عام 1950م، وما تلاه، وتعددت أشكاله.

«البكينى» يقدم نموذجا ثقافيا لما يحدث فى مجتمعنا، وفى كل مجتمع، وهو التغيير الذى يفرض نفسه، طالما نحن لا نخطط له، والتغيير غير المخطط يقع عشوائيا، وفى اتجاهات متباينة. باطن المجتمع يموج بتغييرات عاصفة، لا نتابعها، فقط نفاجأ بها. وكم من تغييرات كثيرة حدثت، وتحدث، قاومها الناس فى البداية، ثم ارتضوا بحكمها فى النهاية.
سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات