إعلانات الأطفال بين التجارة والتعريض للخطر - طارق عبد العال - بوابة الشروق
الإثنين 19 أغسطس 2019 9:39 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





إعلانات الأطفال بين التجارة والتعريض للخطر

نشر فى : الأحد 19 مايو 2019 - 11:00 م | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2019 - 11:00 م

صرّحت منظمة «Save the Children»، وهى منظمة تهدف لتحسين أحوال الأطفال حول العالم، مؤخرًا بخطورة زيادة استخدام الأطفال فى إعلانات الأزياء، فبمقارنة بسيطة بين عالم التسويق منذ عشرين عامًا والآن، ستجد زيادة فى عدد صور الأطفال على مجلات الأزياء بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى أنه يختلف شكل الأطفال حاليًا فى الإعلانات عن ذى قبل، فالآن هم أكثر نضجًا، أكثر أناقة، تحتار فى معرفة عمرهم الحقيقى، الفتيات أكثر أنوثة عن عمرهن الأصلى وهم يرتدون الملابس المثيرة فى بعض الإعلانات واضعين مساحيق التجميل على وجوههن، فلم يعد استخدام الأطفال فى الإعلانات متاحًا مقتصرا فقط على عرض ملابس الأطفال كما كان فى السابق، ولكن يتم استخدامهم الآن فى عرض مغرى لملابس البالغين كذلك، وهذا لما أثبتته الدراسات بأن الأطفال مؤثِرين بشكل فعال فى القوة الشرائية لدى المجتمع، وهم جاذبون للانتباه أكثر بكثير من عرض نفس المنتجات فى إعلانات تحتوى على نساء ورجال عاديين.
***
ويُعد شهر رمضان موسما مثاليا لهذه التجارة، حيث تكثر الإعلانات القائمة على استخدام الأطفال من أجل الابتزاز العاطفى، حيث يتأثر المشاهد عاطفيًا بطريقة كبيرة عندما يرى طفل يبكى على الشاشة، أو طفل محروم من متعة معينة، أو مقارنة بين أطفال فقراء وغيرهم سعداء أغنياء، كل هذا يؤثر فى المشاهد بطريقة فعالة ويجعله راغبًا فى التبرع بشكل كبير.
كل ذلك يحدث ونرى أكثر من مائة إعلان فى اليوم الواحد تستخدم الأطفال كنوع من الأساليب الدعائية، ذلك على الرغم من الترسانة القانونية العظيمة التى تحمى الأطفال من هذا الاستغلال، فنجد مثلا المادة 291 من قانون العقوبات والتى تنص على أنه: يحظر كل مساس بحق الطفل فى الحماية من الاتجار به أو الاستغلال الجنسى أو التجارى أو الاقتصادى أو استخدامه فى الأبحاث والتجارب العلمية ويكون للطفل الحق فى توعيته وتمكينه من مجابهة هذه المخاطر، ومن ناحية ثانية تجد أن قانون الطفل يمنع أى استغلال للأطفال مهما كان الغرض المعلن كما حظر القانون نشر صور الطفل أو أى بيانات له حال عرض أمره على الجهات المختصة كوزارة الصحة والمستشفيات التابعة لها، وفى حال مخالفة هذا تعاقب الجهة التى نشرت الصور بغرامة تحددها النيابة العامة أو المحكمة، فيكفى أن نشير إلى ما جاء بالقانون رقم 126 لسنة 2008، والذى يضمن للطفل كحد أدنى من الحماية من الاستغلال الحقوق الواردة فى اتفاقية حقوق الطفل، وعلى رأس كل هذه النصوص يجب الإشارة إلى الدستور المصرى، والذى يشكل رأس المنظومة القانونية، وقد أولى عناية لحقوق الأطفال وخصوصا فى حالة التعرض للخطر.
ولكن بعيدا عن الناحية النصية، تجد هناك استغلالا فى المواد الإعلانية والدعائية للأطفال، حتى ولو كان ذلك بأجر، إذ إن تشغيل الأطفال يجب أن يكون وفقا لما جاء النص عليه فى قانون الطفل، وبما يتناسب مع حالتهم الصحية ومرحلتهم العمرية، وما عدا ذلك يشكل جريمة تعريض الطفل للخطر.
***
وأنا بشكل شخصى قد أثارنى مشهد إعلانى لطفل يعلن عن سلعة غذائية بقوله (تيته معاكى تسعة وأربعين جنيه واثنا عشر قرشا) كسعر مناسب لوجبة غذائية، أعتقد أنها من الناحية الصحية غير مناسبة للحفاظ على صحة الطفل، أو للمساعدة على نموه، وتكوينه البدنى السليم.
ولم يقف الأمر عند حد الإعلانات التجارية، ولكن قد امتد وبشكل مبالغ فيه إلى الإعلانات الداعية والداعمة لثقافة التبرع، ويأتى فى مقدمتها استخدام الأطفال فى إعلانات التبرع للمستشفيات، وهو ما يُعد بشكل عام انتهاكا لخصوصية وحرمات البشر، بما تحويه تلك الإعلانات من مشاهد قاسية جدا للمرضى والمحتاجين، خاصةً أن استخدامهم بهذا الشكل يعتبر ضد حقوق الطفل المتعارف عليها، فتجد مثالا لذلك استخدام الأطفال المصابين بالسرطان فى إعلانات مستشفى 57357 فى كل الأوضاع، الألم والفرح والأمل وحتى الطرافة، واستغلال الأطفال فى جمع التبرعات هو معضلة أخلاقية تختلف الآراء فيها بين المؤيد والمعارض، وجهة نظرى أن استخدام الأطفال وهم فى حالة المرض بشكل صريح وواضح يظهر ملامحهم وبيانات شخصية عنهم وعن ظروفهم الاجتماعية هو أمر غير أخلاقى وغير إنسانى أيضا، لا يختلف كثيرا عن المتسولين فى الشوارع الذين يستخدمون الأطفال، وفى حالة 57357 الغاية لا تبرر الوسيلة، لأن الوسيلة المستخدمة لها الكثير من البدائل. ولابد من التنويه إلى أن كثيرا من القنوات التليفزيونية لا يهمها المجتمع، إلا بكونه مستهلكا، يدر الربح لتلك الفضائيات وللشركات المنتجة للبضائع والأطعمة والألعاب. ويقع الطفل فريسة سهلة فى أيدى تلك الفضائيات التليفزيونية من خلال الإعلانات الموجهة للطفل مباشرة. وأكدت دراسات عدة خطورة ذلك، والتأثير السلبى لتلك الإعلانات فى الأطفال خصوصا، سواء كانوا هم من يقومون بتمثيل الإعلان، أو ممن يتلقونه كمشاهدين.
وفى المجمل أرى أن الأمر جد خطير، ويتعدى كونه مجرد فقرة تليفزيونية قصيرة، أو مادة دعائية لمنتج ما، إذ إن المواد الإعلانية التى تعتمد على الطفل، بلا شك تترك تأثيرا سلبيا على هذا الطفل وغيره ممن هم فى مثل سنه، الأمر الذى يعتبر غير مقبول إنسانيا، سواء كانت الغاية الحصول على التبرعات أو الترويج لمنشأة أو خدمة أو سلعة ما، كما أنه يجب أن يتوافق بشكل مبدئى مع الأساسيات العلمية فى الإعلانات التجارية، وما يجب أن تكون عليه وفقا للأسس والمناهج العلمية الإعلامية والإعلانية، والتى يجب أن تكون تحت رقابة وعين وبصيرة المسئولين عن رقابة المصنفات، كما يجب وبشكل مبدئى أن تتوافق مع الآلية القانونية أو المعيارية لكيفية تشغيل الأطفال، لأن المادة المقدمة نوع من العمل، كما يجب أن تكون بعيدة عن التأثير السلبى على الطفل المُلقى أو المتلقى، وذلك حتى لا تشكل جريمة تعريض الطفل للخطر، ولكن هنا يجب أن يكون للجان حماية الطفل الموجودة داخل كل محافظة دور فاعل نحو حماية الأطفال من هذه المؤثرات، فيكفى أننا حتى الآن لم نستطع تعليمهم بشكل جيد أو حمايتهم من الأخطار الأخرى المتراصة بداخل المجتمع.

طارق عبد العال باحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية
التعليقات