سقط سهوًا.. 26 مليار جنيه - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2020 3:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

سقط سهوًا.. 26 مليار جنيه

نشر فى : الأحد 19 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2013 - 8:00 ص

فى خضم تآكل ما يقرب من ثلثى احتياطيات مصر من النقد الأجنبى (22 مليار دولار أو ما يساوى 150 مليار جنيه) منذ قيام الثورة، وما نتج عن ذلك من تقلص قيمة الجنيه، وما صاحبه من غلاء وتضخم مستورد عن طريق ارتفاع اسعار الواردات، وفى خضم السعى وراء قطر أو ليبيا أو صندوق النقد الدولى للتكرم على مصر بوديعة أو بقرض تحت ادعاء دعم الاقتصاد والجنيه المصرى. فى خضم كل ذلك، يفاجئنا البنك المركزى، وهو المؤتمن على احتياطيات مصر من النقد الاجنبى، بأرقام تثير الدهشة وتطرح تساؤلات حول السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف التى يتبعها وما إذا كانت تهدف بالفعل إلى حماية النقد المصرى، سواء اجنبى أو محلي؟ وهل تهدف إلى تحفيز الاستثمار الوطنى وزيادة العمالة؟ ام إن هناك حالة من اللا مبالاة وعدم الاكتراث فيما يخص المحافظة على احتياطيات النقد الأجنبى وقيمة الجنيه؟

 

تشير احدث الارقام الصادرة عن البنك المركزى إلى انه فى خلال 18 شهرا فقط، من يوليو 2011 إلى ديسمبر 2012، تقلصت احتياطيات النقد الأجنبى من نحو 27 مليار دولار إلى 15 مليار دولار، أى تبخر 45% من هذه الاحتياطات (12 مليار دولار أو ما يساوى 80 مليار جنيه)، وهذا فى حد ذاته مصيبة! ولكن المصيبة الاكبر والاكثر فداحة ان اكثر من ثلاثة ارباع هذا المبلغ (9 مليارات دولار) قد تبخر إما لأسباب غير معروفة أو لأسباب لها علاقة مباشرة بسياسة جذب الاستثمارات الخارجية والسياسة النقدية المتبعة فى مصر منذ النظام الساقط وحتى الآن وبدون توقف.

 

  وتفيد إحصائيات البنك المركزى ان نحو 4 مليارات دولار أو ما يساوى 26 مليار جنيه، أى نحو ثلث الـ12 مليار دولار المتبخرة، خرج من مصر لأسباب «السهو والخطأ»!! هل من المعقول ان يسقط سهوا نحو مليار ونصف المليار جنيه فى الشهر؟! هل من المعقول ان يسقط سهوا فى عام ونصف العام مبلغ يقارب قيمة قرض صندوق النقد الدولى المرتقب والذى سيسدد على اربع أو خمس سنوات؟! ومن المعروف بين خبراء الاقتصاد ان زيادة حجم السهو والخطأ فى حسابات ميزان المدفوعات مؤشر على زيادة تهريب الاموال وزيادة الاقتصاد السفلى وغير الشرعى. وفى حالة ثورة كما هو الحال فى مصر هل من الحكمة ان يتصرف المسئولون عن نقد مصر واقتصادها وكأن شيئا لم يكن، وكأنه لا يوجد هناك فلول تريد تهريب ما سلبته إلى الخارج (الغرب)، وكأنه لا توجد قوى دولية لا تريد لمصر ان تفلت من قفص التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب والذى حُبست فيه (ومازالت) لأكثر من اربعة عقود.

 

ولكن المصيبة لم تتوقف عند حد «السهو والخطأ» واللا مبالاة غير المقصودة أو المقصودة، بل انها تمتد إلى حقيقة افظع، الا وهى ان اكثر من 45% من الـ 12 مليار دولار قد تبخرت بسبب السياسة الاقتصادية المتبعة. ففى خلال الـ18 شهرا خرج من مصر أكثر من 5 مليارات دولار وهو مبلغ أكبر من كل ودائع قطر وليبيا والسعودية، واكبر من قرض الصندوق الذى تسعى الحكومة لاقتراضه، ولا اعرف لماذا الاقتراض مع ترك الأمور والسياسات على ما هى عليه، فمما لا شك فيه ان ذلك سيؤدى إلى تسرب أموال القروض الجديدة إلى خارج مصر فى شهور قليلة كما سبق وتسربت الـ5 مليارات دولار، وسيبقى على فقراء مصر سداد اقساط هذه القروض فى السنوات المقبلة.

 

لقد خرجت الـ5 مليارات دولار أساسا بسبب سياسة تشجيع الأجانب على الاستثمار فيما يسمى باستثمارات الحافظة، وهى بشكل أساسى استثمارات للمضاربة فى سوق الأوراق المالية (البورصة) أو استثمارات فى سندات حكومية أو ما شابه. ويسمح القانون للمستثمر، اذا حول إلى مصر مبلغا من المال للاستثمار (للمضاربة) فى البورصة، ان يعيد تحويله إلى الخارج زائد الأرباح المتحققة من عملية المضاربة، دون ان تتحصل مصر على أى شيء يذكر من هذه الارباح. فمثلا لو ادخل مستثمر 100 دولار وربح من البورصة فى خلال يوم او اثنين 50 دولارا، فمن حق هذا المستثمر ان يحول خارج مصر الـ 150 دولارا كاملة، وفى المحصلة الاخيرة تخسر مصر 50 دولارا من احتياطياتها من النقد الأجنبى، وبتكرار هذه العملية وبشكل يومى وبمبالغ كبيرة تنضب الاحتياطيات وينهار الجنيه ويزداد الغلاء المستورد، ونضطر للاقتراض ويضطر فقراء مصر سداد هذه القروض فى المستقبل. وقد تكون هذه وسيلة اخرى، ولكن بالقانون، لتهريب الفلول للاموال المسلوبة، حيث من الممكن ان يكون هذا المستثمر الاجنبى هو مصرى اصلا ولكن له شركة مسجلة فى بلد اخر، وهذه الشركة تتعامل فى هذا النوع من المضاربة بصفتها شركة اجنبية.

 

الطبيب يستطيع ان يعالج المريض إذا عرف الداء، ويستطيع ان يسيطر على النزيف إذا عرف مصدره. وفى حالتنا هذه، الداء بَيّن والعلاج أيضا بَيّن، فالمصدر الأكبر لنزيف احتياطيات مصر من العملات الصعبة هو السهو والخطأ

 

وكذلك استثمارات الحافظة. فبالنسبة للسهو والخطأ يجب إحكام السيطرة على حركة رؤوس الأموال، وتشديد الإشراف على البنوك وشركات الصرافة لتقليل هامش كل من السهو والخطأ.

 

أما فيما يخص التسرب الناتج من استثمارات الحافظة، يجب اتخاذ الإجراءات وسن القوانين التى تعمل على تحويل البورصة من وعاء للمضاربة والكسب السريع من خلال الشراء والبيع السريع والمتكرر لأسهم ورقية، إلى وعاء فعال وقادر على توفير استثمارات مادية وحقيقية وملموسة فى مصانع وشركات منتجة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال فرض ضرائب على كل تعاملات الشراء والبيع فى البورصة وكذلك ضرائب على الأرباح الناتجة عن تلك التعاملات، كذلك يمكن إلزام المستثمر بإبقاء أمواله المستثمرة لفترة زمنية محددة كحد أدنى. ان الأثر الايجابى لمثل هذه الإجراءات لن يتوقف عند الحد من المضاربة فى البورصة وبالتالى الحد من خروج العملات الصعبة من مصر، بل سيمتد الأثر الايجابى إلى المالية العامة للدولة عن طريق زيادة الإيرادات الضريبية وتقليل عجز الموازنة.

 

وعليه فالخيارات واضحة بين عمل ما يلزم لوقف نزيف الاحتياطيات والاعتماد على الذات بقليل من التضحية لتحقيق مستقبل أفضل، وبين الاستسهال والاستمرار فى اتباع نفس السياسات والاعتماد على الاقتراض من الغير والذى هو بالتأكيد لا يبحث عن مصلحة مصر وفقرائها، الأمر الذى سيرسخ من تبعية مصر الاقتصادية والسياسية للغرب، ليس فقط الآن ولكن أيضا سيضعف من قدرة الأجيال القادمة على التخلص من هذه التبعية. نحن لا نريد ان نورث أجيال مصر القادمة ضررا يمكننا درءه.

 

 

 

خبير اقتصادى بالأمم المتحدة

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات