أقارب الإسكندر - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 12:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

أقارب الإسكندر

نشر فى : الأحد 19 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2013 - 8:00 ص

وجود أسد أو اثنين على جانبى مقبرة من عصر الإغريق دليل على أن المتوفى كان رفيع الشأن أو ينتمى للحكام... من سنوات ظهرت باحثة أثرية يونانية ــ ليانا زوفلتسى ــ وأحدثت دويًا إعلاميًا هائلا عندما قالت إنها شبه متأكدة من العثور على مقبرة الاسكندر الأكبر بالقرب من سيوة، بمنطقة المراقى، وأخذت تردد قصة الأسود والأعمدة الموجودة بمدخل المقبرة كدليل على صحة اكتشافها، بالإضافة طبعا إلى بعض التفاصيل المعمارية والحقائق التاريخية الأخرى التى ربطت الإسكندر المقدونى بالواحة.

 

●●●

 

كلما مررت بشارع العروبة فى حى مصر الجديدة، فى الآونة الأخيرة، أتذكر كلام الأثرية اليونانية التى اختفت من الساحة بعد لغط كبير، لا لشىء إلا لنمط المعمار الذى أخذ ينتشر بالمنطقة كالنار فى الهشيم. وبسخرية مُرة أردد فى سرى، فى كل مرة ألاحظ هدم فيلا قديمة لتحل مكانها سريعا أخرى غريبة الشكل، لابد وأن المشترين الجدد أو مهندسيهم يطبقون نظرية «الفخفخة» التاريخية لإثبات مكانة اجتماعية ما، فمنازلهم ذات الطابقين على الأغلب (لقربها من مطار القاهرة) تحوى أحيانا على أسود وأعمدة «كورنثية» (نسبة لمدينة كورنث فى اليونان) كالتى نراها فى المعابد، حين يبنى تاج العمود على شكل زخارف نباتية... تتجول بنظرك فتكتشف كل يوم تفصيلة جديدة لطراز انتقائى به شىء معقد أو غير مريح، أصبح موضة ربما... تنويعات حداثية للعمارة الكلاسيكية وبخاصة اليونانية، وحِليات أُخذت من عصور مختلفة ووضعت فى تصميم واحد، لتوحى بالقوة أو رفعة المقام، لكن بالنسبة للذين يعرفون حى مصر الجديدة هى مجرد دليل على تغير فى تركيبة السكان. هناك عملية إحلال وتبديل كتلك التى وصفها الدكتور علاء الأسوانى فى «عمارة يعقوبيان» عندما تحدث عن مجىء طبقة أخرى من الضباط الأحرار أو من أفادهم الحراك الاجتماعى بعد ثورة يوليو للاستيطان بعمارات وسط القاهرة، وهذا موضوع يستحق الدراسة والمقارنة، لأن قصة الحجر والبشر تلك، ماضيها وحاضرها، تروى تاريخا حيا... قد يسعى البعض لهدمه أو شرائه وتعديله ليصبح على هواه.

 

●●●

 

لا يقتصر الأمر على الفيلات والقصور، فمن وقت لآخر تجد بناية صغيرة مميزة وقد تم خلع أبوابها ونوافذها، إيذانا بأنه جاء وقت الهدم على يد شركة أو اثنتين تسيطران على السوق، وغالبا ما تبنى مكانها عمارة سكنية ضخمة لا جراجات فيها ولا علاقة لها بتراث مصر الجديدة المعمارى الذى تكون على مر السنين منذ إنشاء الضاحية عام 1905، وقد كان الطراز المعتمد وقتها من شركة مصر الجديدة يمزج بين الحداثة والتصميمات الإسلامية أو الأندلسية أو الهندية للحفاظ على هويتها الشرقية. وعندما كان يفضل بعض الملاك فى فترة العشرينيات والثلاثينيات تشييد فيلاتهم الخاصة على طراز النهضة أو النزوع إلى المدرسة الإيطالية كان ذلك يتم بعد موافقة مهندسى الشركة بمصر أو مكتب خبرة فى بروكسل للتأكد من التناغم الجمالى مع باقى الشارع أو الحى، وكان على المالك الالتزام بالمواصفات الموجودة فى كراسة الشروط التى وقع عليها عند شرائه للأرض.

 

●●●

 

ذكريات مصر الجديدة أو هليوبوليس قد توقعنا ببساطة فى فخ النوستالجيا أو الحنين لأوائل القرن الماضى حين كان يسكنها الأرمن والشوام والدكتور أحمد لطفى السيد وفتحى باشا زغلول وزينب هانم أدهم وكبار الضباط (بعد إنشاء الكلية الحربية بها فى مطلع الخمسينيات)... لسنا هنا بصدد التعرض لتحليل التركيبة السكانية وقتها لأنها لم تكن حكرًا على طبقة وحدها، بل أكثر تعقيدا... ولسنا أيضا بصدد تكريس أسطورة هليوبوليس «الكوزموبوليتية»، لكن هى حالة معمارية تتعرض حاليا لضربات قاسية كما سائر أنحاء مصر... على سبيل المثال عمارات رمسيس وغمرة تختفى الواحدة تلو الأخرى، وقد سبق أن حدث ذلك فى حى عريق كالزيتون حين اختفت فيلاته ومبانيه القديمة لتحل محلها أبراج سكنية ضخمة ومتلاصقة فأصبح مكانا آخر، يصعب التعرف عليه. قد تصبح مدننا واحدة تلو الأخرى أماكن غريبة لا يمكن التعرف عليها، بعد أن ضاعت ملامحها أو تبدلت بالكامل، وهو ما يخيف بعض الأفراد الذين يتجمعون على صفحات الفيسبوك مثل «ناصية» (www.nassya.com) التى تتوجه بالأساس لسكان الزمالك والمعادى وهليوبوليس، أو «مبادرة تراث مصر الجديدة» التى ظهرت بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ينظمون وقفات فى الشارع للتنديد بما يحدث أو مسابقات تصوير للتوثيق، ويجمعون التوقيعات لمنع هدم الفيلات والمبانى التراثية ومناشدة جهاز التنسيق الحضارى وغيره، فالقوانين التى كانت تمنع هدم الفيلات فى التسعينيات أو تحدد ارتفاعات البناء ذهبت أدراج الرياح، لكن يظل هؤلاء مجموعة صغيرة تقف من وقت إلى الآخر لجذب أنظار المارة عند تقاطع شارعى النزهة والحرية أو بميدان المحكمة الخ، حاملين اللافتات للتوعية والتنديد... وفى هذه الأثناء تكون عملية الهدم مستمرة على مقربة منهم، وبناة الأسود والأعمدة يشيدون قصور الملاك الجدد.

التعليقات