مصر فى سفرنامه - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الخميس 16 يوليه 2020 4:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مصر فى سفرنامه

نشر فى : الأحد 19 أبريل 2009 - 9:15 م | آخر تحديث : الإثنين 20 أبريل 2009 - 10:24 ص

 لست واثقا من صدق نبوءة رئيس هيئة التخطيط العمرانى الذى حدثنا عن أن القاهرة فى عام 2050 ستكون مدينة عادلة ونظيفة ومليئة بالحدائق.. و.. و.. إلخ. ليس فقط لأن ما يحدث الآن لا يطمئننا إلى أن ذلك الحلم يمكن أن يتحقق فى عام 2050، ولكن أيضا لأنه مطمئن إلى أنه لن يكون بمقدورنا أن نحاسبه على كلامه، لأن معظمنا لن يكونوا على قيد الحياة آنذاك (باستثناء الرئيس مبارك أطال الله عمره).. لكننى مع ذلك أقول: إن مصر كانت كذلك منذ ألف عام تقريبا، وشهادة الشاعر الفارسى ناصر خسرو الذى أمضى فى رحابها ست سنوات تؤكد هذه الحقيقة. ذلك أنه ترك بلاده خراسان فى عام 1045 ميلادية محتجا بأنه ذاهب إلى الحج، لكنه جاء إلى مصر ولم يؤد الفريضة إلا بعد سنتين من وصوله إليها.. وفى نهاية السنوات الست عاد إلى بلده وأخرج كتابه «سفرنامه» أو كتاب السفر، الذى وصف فيه ما شاهده فى رحلته التى مر خلالها بأذربيجان والشام وبيت المقدس قبل أن يستقر به المقام فى المحروسة.

ما تحدث به الرجل عن مصر يبدو فى أعين أهل زماننا من الغرائب التى ترشح للنشر تحت عنوان «صدق أو لا تصدق». فقد اعتبرها نموذجا للمدينة الفاضلة ـ هكذا قال ـ التى يرأسها حاكم عادل لا حدود لشفقته ورأفته بالناس. لا يظلم أحدا ولا يطمع فى مال أحد. لذلك لم يكن أحد يخفى شيئا من أمواله. بل إن الأغنياء كانوا يعرضون أموالهم على الخليفة فى أيام الشدة حين يتناقص النيل للوفاء بأرزاق الناس. لأن الخليفة لم يكن يأخذ الخراج عند انخفاض النيل، وذات مرة جاء أحد أغنياء النصارى بما عنده من غلة تبرعا للناس، فكفتهم الغلة زمنا طويلا.

أما الوزير فى مصر فقد رآه يمتاز عن الجميع بالزهد والورع والعقل. ويتقاضى القضاة رواتب عالية لكى لا يطمعوا فى أموال الناس ولا يحيدوا عن الحق. أما أهل مصر فيعيشون فى بحبوبة من العيش وغنى عظيم. حتى قال إنه يخشى أن يذكر بعض الأرقام التى يملكها بعض المصريين من مال فلا يصدقه أحد فى فارس. وقد انعكس الرغد على أخلاق الناس، فاتصفوا بالأمانة والشهامة والمروءة الجامعة لخصال الخير كلها.

وصف فى كتابه أول مدينة للتجارة الحرة فى العالم، كانت تسمى «تنيس» قريبة من دمياط، حيث تفد إليها السفن محملة بالبضائع من جميع أنحاء العالم، ولا تجبى فيها أية ضرائب. وتحدث عن وفرة السلع فى البلاد وكثرة الأسواق التى تجلب إليها البضائع من أنحاء العالم. وعن الصدق فى التجارة وعن المصانع التى تتميز بها مصر التى تنتج السكر والمنسوجات.. وعلى عكس ما رآه فى بلاد فارس، فقد وجد فى مصر أمانا أثار انتباهه، حتى لاحظ أن تجار المجوهرات والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر.

تحدث صاحبنا عن النيل وقارنه بنهر جيحون فى بلاده، واعتبر أن المقارنة تظلم النيل. كما تحدث عن المبانى شاهقة الارتفاع التى تبلغ 14 طابقا، وعن المساجد عظيمة الاتساع كمسجد عمرو بن العاص الذى كان يرتاده كل يوم 5 آلاف من طلاب العلم والغرباء. ووصف الحدائق التى أقيمت فوق أسطح المنازل، والحدائق العامة الأخرى التى انتشرت فى أنحاء المدينة.

أهم ما وجده ناصر خسرو فى مصر. وحرص على وصفه بكل دقة وإعجاب هو العلم والتعليم. فالإمام معلم وقصره مدرسة. وقاضى القضاة معلم والوزير معلم والمسجد للصلاة والتعليم. ودور الحكمة بها قاعات للاطلاع وقاعات للدرس. وأبواب الأزهر مفتوحة للجميع، حيث دأب الناس على الإقبال عليه فى كل مكان، ومنهم أبناء الملوك والأمراء من المغرب واليمن والروم والصقالبة والهند وجورجيا وتركستان وغيرها. كان الأزهر وقتذاك يدرس المذهب الفاطمى. وقد درسه ناصر خسرو وتمكن منه، حتى عاد إلى بلاده إنسانا مختلفا تماما، عالما وفيلسوفا، بارعا فى المحاجة والجدل، وداعية لا يشق له غبار.

صاحب الفضل فى تذكيرنا بهذه الصفحة هو الدكتور محمد السعيد جمال الدين الأستاذ بقسم الدراسات الشرقية فى جامعة عين شمس، الذى خصص فصلا لناصر خسرو فى كتاب جميل له بعنوان «جمع ما تعرف»، قلّب فيه بعض مواجعنا وأثار شجوننا، وذكرنا فيه ببعض عصورنا الزاهية بحق، التى تختلف عن عصورنا «المضروبة.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.