«خطابات محمد خان».. ثلاثية السينما والصداقة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 مايو 2020 7:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«خطابات محمد خان».. ثلاثية السينما والصداقة

نشر فى : الخميس 19 مارس 2020 - 10:55 م | آخر تحديث : الخميس 19 مارس 2020 - 10:55 م

بصدور الجزء الثالث من «خطابات محمد خان إلى سعيد شيمى»، عن دار الكرمة، بعنوان فرعى «مصرى للنخاع»، وبمقدمة متميزة من الناقد الكبير كمال رمزى، تكتمل كتابة مدهشة ومتفردة؛ أسميتها «ثلاثية السينما والصداقة»؛ حيث تسجل الكتب الثلاثة خطابات المخرج محمد خان، من لندن وبيروت، إلى رفيق عمره مدير التصوير الكبير سعيد شيمى، منذ العام 1959 وحتى العام 1977.
وكأن خان يكتب لنفسه بكل بساطة وجرأة، أنه يعترف فى خطاباته بكل المتاعب التى واجهها، يحكى عن قصصه العاطفية الفاشلة، وعن علاقته بأبيه وأمه، وعن حلمه الأبدى بأن يصبح مخرجا، وبأن يعود إلى وطنه مصر، لكى يصنع أفلاما، ويحقق السينما التى يريدها.
فى الجزء الثالث، تتعقد الأمور، وتصل إلى ذروتها بوفاة والده، الطريقة التى يصف بها خان لحظات والده الأخيرة، تبدو مثل سيناريو مكتوب، محبته لوالده تظهر فى هذه الموقف الصعب، حرص ألا يخضع الجثمان للتشريح، وأن يدفن فى مقابر المسلمين، بأسرع ما يمكن، وانتهى من إجراءات الجنازة والميراث فى فترة قصيرة.
نكتشف، فى هذه الجزء، أن الحياة جعلت من الابن الوحيد المدلل رجلا مسئولا، لديه فى لندن محل لبيع بنطلونات الجينز، ولكن حلم السينما لا يموت أبدا، داخل بيته، وعلى زجاج المحل، تتناثر صور الأفيشات والأفلام، كل شىء يكتبه خان بعدسة السينمائى، حتى عندما يموت عبدالحليم بأحد مستشفيات لندن، يكتب خان لشيمى بأنه كان يتمنى أن تكون معه كاميرا سينمائية ليسجل أيامه الأخيرة، ليستخدمها فى عمل عن حياة العندليب.
فيما بعد، سيخرج محمد خان فيلم «زوجة رجل مهم»، وسيهديه إلى روح وزمن عبدالحليم، سيحضر العندليب من خلال بطلة الفيلم التى كتبها ورسم معالمها رءوف توفيق، وستصبح أغنيات عبدالحليم عنوانا على زمن لن يعود.
فيما بعد، وعندما عانى من مرضه الأخير، سيرفض أن يذهب إلى المستشفى، والده أيضا فعل ذلك قبل موته، بعض مشاهد الموت فى أفلام خان هادئة وجليلة مثل الانتقال المفاجئ، هكذا رحل والده، سقط وهو يحمل علبة القهوة، فى فيلم «موعد على العشاء» الذى كتبه المبدع بشير الديك، ماتت والدة نوال وهى بين يدى الكوافير، وأخرج خان المشهد بمنتهى الحساسية الفائقة.
لم يتوقف خان عن الإلحاح بأن يعود إلى مصر، ولكن سعيد شيمى يحذره دائما، لأن فرص العمل نادرة، خان كان قد تزوج وأنجب ولدا، لديه أسرة ويمكن أن يفشل ويفلس أيضا، ولكنه انتهز تشجيع المونتيرة نادية شكرى له بالعودة، فجاء إلى مصر ومعه قصة بعنوان «شمس»، تحولت فيما بعد إلى فيلمه الأول «ضربة شمس» من تصوير سعيد شيمى.
لولا حماس نور الشريف لإنتاج الفيلم، لما ظهر إلى النور، رغم أنه مغامرة إنتاجية، كانت الأفلام وقتها حبيسة الأستديوهات، و«ضربة شمس» بطله مصور صحفى، وحافل بمشاهد الشوارع، نور لم يكن يعرف قدرات سعيد شيمى المصور الشاب، عرض على خان أن يأتى له بمصور كبير، ولكن خان رفض، يبدو الفيلم اليوم كلحظة تحقق للصديقين معا، وكأن انتقامهما من أيام المعاناة، سواء فى الوطن أو فى الغربة، قد تحول إلى فن وصور وألوان وحركة.
هذا الجيل رد على الشقاء بالفن، تشهد خطابات خان التى أوصى شيمى بنشرها بقصة كفاح هائلة، الشاب الذى عاش فى لندن لم يكتف بأن يحلم، ولكنه لم يتوقف عن المحاولة والفشل، ولم يتوقف عن الدراسة والقراءة ومشاهدة الأفلام، يبتعد عن السينما فيعود إليها بعشرات الأفكار والسيناريوهات، يحلم على الورق، وينتظر الفرصة، التى جاءت أخيرا، ليبدأ المشوار الطويل والمثمر.
شيمى لم يكن بالنسبة لخان بمثابة الأخ الحقيقى فحسب، ولكن المصور الموهوب كان مؤمنا بموهبة صديقه، مساجلاتهما وخلافاتهما الحادة لم تخدش يوما جدار الصداقة الصلب، أفلامهما المشتركة من «ضربة شمس» إلى «الحريف» تكشف عن قدراتهما المميزة، ولكن علاقتهما كما سجلتها الخطابات الممتعة والمؤثرة، تكشف عن فيلم عظيم لم يكتب بعد، قصة صداقة وكفاح فى سبيل السينما.
بكيت وضحكت، كثيرا وطويلا، وأنا أقرأ رسائل وتعليقات خان فى هذا الجزء الأخير، عرفته شخصيا وكتبت عنه كتابا، شخصيته على الورق هى نفسها شخصيته فى الواقع: طفل كبير غضوب، ولكنه مبدع ومختلف، يمتلك قلبا أصفى من الحليب، وعينا عاشقة للمكان والناس، مصرى حتى النخاع، خلد القاهرة على شرائط باقية، وحقق حلمه رغم أنف الظروف.
فليرحمه الله، وليحفظ لنا صديقه الوفى والإنسان العظيم سعيد شيمى.

التعليقات