كيف نعبر أزمة كورونا اقتصاديا؟ - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2020 6:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

كيف نعبر أزمة كورونا اقتصاديا؟

نشر فى : الخميس 19 مارس 2020 - 11:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 20 مارس 2020 - 10:31 م

فى الثامن من مارس الجارى نشرت جريدة الشروق مقالا لى تناولت فيه تأثير كورونا على الاقتصاد العالمى عامة والمصرى بصفة خاصة. وختمت المقال بالعبارة التالية: «آن الأوان للتخطيط لأسوأ الاحتمالات والاستعداد لها حتى وإن لم تتحقق.. يجب أن نستعد للحظة قد تأتى تصاب فيها أسواق التمويل العالمية بشلل مؤقت قد يطول أو يقصر ولكن فى كل الأحوال يجب أن يكون التخطيط للسيناريوهات القادمة ضمن أولوياتنا حتى نستطيع العبور بسلام على المستوى الاقتصادى من هذه المحنة العالمية». مع كل الأسف نحن نعيش حاليا فى هذه اللحظة التى حذرت منها فقد قامت البنوك المركزية وخاصة البنك المركزى الأمريكى والأوروبى بفتح خزائنهم لتهدئة أسواق التمويل العالمية؛ ولكن ذلك لم يتحقق حتى لحظة كتابة هذه السطور.
درسنا فى حياتنا الأكاديمية حالات الركود وانهيارات أسواق المال العالمية ثم شهدنا بعضها عمليا، ولكننا لم نر مثل ما حدث فى الأسبوع الثانى من مارس الجارى. فقد انهارت العلاقة التاريخية بين البورصة وأسواق الدين. هذه العلاقة واضحة ومعروفة: عندما تنخفض البورصة، تنخفض الفائدة خاصة على السندات الحكومية، وبالتالى ترتفع أسعار السندات. الجديد أنه ولأول مرة، انخفضت البورصة بشدة ومعها انخفضت أسعار سندات الحكومة الأمريكية، أشهر وأقوى سندات فى العالم وأكثرها تداولا. ضربنا جميعا أخماسا فى أسداس وبدأنا نتساءل عما يحدث حتى فهمنا ما حدث: لجأت المؤسسات العالمية لبيع مخزونها من السندات الأمريكية للحصول على السيولة. السندات كانت الأصول الوحيدة التى لا تزال سيولتها مرتفعة نسبيا، وبالتالى استطاعوا بيع نسبة من مخزونهم منها للحصول على سيولة. يبحث العالم كله عن الدولار. المؤسسات لا تريد سندات أو أوراق مالية أو ذهب أو أى شىء آخر. يريدون الدولار لتقوية ملاءتهم المالية وهم مقبلون على فترة ستحتاج للكثير من السيولة. أعلن البنك الفيدرالى الأمريكى يوم الخميس ١٢ مارس عن فتح عمليات اعادة التمويل للبنوك بضمان موجوداتهم من السندات. أوضح الفيدرالى استعداده بالقيام بعمليات إعادة تمويل بشكل شبه مفتوح يصل إلى عدة تريليونات من الدولارات. شَبَّه المحللون حجم الدعم هذا بإحضار دبابة لمعركة بالسيوف؛ وهو المطلوب بالضبط فى هذه الأحوال. الغريب أن البنوك لم تستفد من عرض الفيدرالى وفَضَّلت الاستمرار فى البيع. أرجع المحللون ذلك للحالة العامة للسوق ولسان حالها: «بع اليوم واسأل لاحقا». هو بالضبط مثل جنون شراء ورق الحمام الذى اجتاح أوروبا وأمريكا. هى نبوءة ذاتية التحقق 
Self-fulfilling Prophecy

أنت لا تنوى تكوين مخزون من ورق الحمام، لكن عندما تذهب للسوبر ماركت مرة واثنين ولا تجد الورق ثم فجأة تجده، ماذا ستفعل؟ ستشترى أكثر من كفايتك بكثير. نفس الشيء يحدث فى الأسواق حاليا. تبحث المؤسسات بجميع أنواعها عن السيولة الدولارية أولا وأخيرا.
السؤال الآن: هو كيف نعبر هذه الأزمة؟ يجب أن نعمل على عدة محاور، أخص منها المحورين الأهم:
١ــ دعم أدوات الدين، وهى أهم مصادر الدولار المتبقية حاليا: المؤسسات المالية التى لها استثمارات فى سوق الدين المصرى محكومة بنسبة من استثماراتها فى الأسواق الناشئة. هبوط قيمة الاستثمارات الأخرى يجبر المؤسسات على تسييل بعض الاستثمارت فى مصر للحفاظ على نسبة الأسواق الناشئة. وبالتالى سيشكل ذلك ضغطا على أسواق الدين لدينا وأيضا ضغطا على العملة. على جانب آخر، ترك العملة تتحرك بشدة قد يؤدى إلى المزيد من المبيعات، والدفاع عنها بشدة أيضا سيشكل ضغطا إضافيا على الوضع المالى للدولة. رأيى أن الدفاع عن قيمة العملة حتى ولو بطريقة جزئية ومؤقتة هو أمر حتمى حتى لا ندخل فى دوامة تسييل استثمارات أسواق الدين بطريقة مبالغ فيها. هناك أيضا مجال لحلول مبتكرة: هل يستطيع المركزى مثلا تقديم عقود مستقبلية Forward Contracts مدتها ستة أشهر أو سنة واحدة لشراء الدولار بسعر ١٦ جنيها مقابل مصاريف ١% مثلا؟ فارق العملة يحقق ربحا للدولة قدره حوالى ١،٥% بالإضافة إلى ١% إيرادا إضافيا من المصروفات. أما بالنسبة للمستثمر فهو يضمن عدم خسارة أكثر من ٢،٥% على استثمار يعطيه عائد صافى حوالى ١١% على الدولار. أى أنه سيعطيه عائدا قدره ٨،٥% على الدولار. ممكن أن يكون ذلك عرضا لفترة محدودة للمستثمرين الحاليين حتى تمر الأزمة. وفى تقديرى معظمهم لن يخرج فى هذه الحالة وسيقل الضغط على العملة كثيرا. المشكلة ستبقى فى إعادة التمويل والتى غالبا ستكون بسعر فائدة أعلى عن المعتاد لفترة مؤقتة. فى مقابل ذلك لا يستفيد المستثمر الجديد من عرض العقد المستقبلى الخاص. فى هذه الفترة يُفَضَّل التركيز على أدوات الدين قصيرة الأجل حتى لا تتحمل ميزانية الدولة عبء سعر الفائدة المرتفع لفترة طويلة. يجب أن نتذكر دائما أن المستثمر همّه الأول أن يعلم أنه عندما يقرر الخروج من السوق سيتمكن من ذلك بسعر عادل وسيتم تدبير العملة له سريعا، وطمأنته سيكون لها مفعول السحر.
٢ــ الاجراءات الاستثنائية: تبحث كل الدول عن حزمة دعم للاقتصاد والأسواق وشبكة دعم مجتمعية للفئات الأكثر عرضة للضغوط الاقتصادية، مثل العمالة الموسمية واليومية. تقاس قوة المجتمعات بقوة أضعف حلقة فيها، والطريقة الوحيدة لعبور الأزمة بسلام هى تقوية ودعم النظام الاجتماعى والصحى والاقتصادى على جميع المستويات. فهذه الأزمة ذات طبيعة خاصة لذلك فتأثيرها متقارب على المستويين الاقتصادى والاجتماعى. الاقتصاد الحديث قائم على التواصل بشتى الطرق، محاربة فيروس الكورونا قائمة على فكرة قطع التواصل والانغلاق. المشكلة معقدة ولذلك يجب التعامل معها على مراحل:
مرحلة الوقاية وإيقاف الانتشار بأى ثمن: هذه المرحلة المكلفة تقوم على دعم الأنظمة الصحية وكذلك شبكات الحماية الاجتماعية خاصة للفئات الأكثر تأثرا، وضمان وجود اقتصاد قادر على التعافى بعد مرور الأزمة.
مرحلة ما بعد انحسار المرض وهى تقوم على القضاء عليه نهائيا وإعادة عجلات الاقتصاد للدوران مع تحجيم الآثار.
على المستوى الاقتصادى وفى كل هذه المراحل، يجب أن يكون العمل على مستوى السياسات المالية والنقدية معا. أى يجب أن تعمل الحكومة والبنك المركزى معا وليس فى جزر منعزلة، والاثنان يجب أن يعملا فى تناغم مع المعلومات والقرارات الصادرة على المستوى الصحى والاجتماعى. أعطى الانجليز درسا للعالم فى كيفية إدارة هذه العملية المعقدة فى الأيام الأولى من الأزمة. ابحث عن المؤتمر الصحفى لبوريس جونسون وانظر من يقف معه وراء الميكروفون وكيف تم اتخاذ القرار. الاقتراحات المالية فى أمريكا وصلت لحد اقتراح ترامب الاعفاء الكامل من ضريبة كسب العمل لعدة شهور ولكن الحزب الديمقراطى يعارض هذا الاتجاه وقدموا حزمة خاصة بهم بالتفاوض مع وزير الخزينة الأمريكى ممثلا عن الحكومة. سيخرج الأمريكان ربما قبل صدور هذا المقال بحزمة قرارات وقوانين داعمة للمجتمع ولكنها لن تكون كافية وسيفعلون المزيد. المشكلة كبيرة ومحاولة التعامل معها على انها مشكلة مؤقتة سينتهى بكارثة عالمية.
العنصر الأهم فى كل ذلك هو التواصل والشفافية. أنا كمدير استثمار مصرى أعلم تماما امكانيات الدولة الاقتصادية وما فى جعبتها من وسائل لإدارة الأزمة من الناحية الاقتصادية. المشكلة أن مدير الاستثمار الأجنبى الذى يُقَيّم عشرات ــ إن لم تكن مئات ــ الفرص والاستثمارات يوميا لا يعلم ما أعلمه. يجب أن تكون سياسة الدولة واضحة فى التعامل مع الوضع من الناحية الاقتصادية، وأن تكون لديها خطة واقعية وأيضا خطط بديلة للتعامل مع مختلف السيناريوهات. والأهم أنه يجب أن يكون هناك حوار وتواصل مستمر بين المجموعة الاقتصادية بقيادة رئيس الوزراء ووزارة المالية والبنك المركزى مع كبار مديرى الصناديق والمستثمرين. هدف هذه المجموعة يجب أن يكون تقديم خطة الحكومة فى التعامل مع الأزمة بشفافية ووضوح.
قد لا نكون وصلنا لأسوأ أيام تأثير فيروس الكورونا ولكن الطريق يبدأ الآن. ويجب أن نعلم أننا إذا نجحنا فى إدارة هذه الأزمة باقتدار، ستضع مصر نفسها بقوة على الخريطة الاستثمارية العالمية فى مرحلة ما بعد الكورونا. سلم الله مصر وأهلها وجعلهم دائما فى أمان.

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات