بين النازية والصهيونية - رجائي عطية - بوابة الشروق
الجمعة 3 أبريل 2020 6:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

بين النازية والصهيونية

نشر فى : الأربعاء 19 فبراير 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 فبراير 2020 - 9:35 م

يجمع بين النازية والصهيونية أنهما تتخذان موقفا معاديا من باقى البشر، وتتوسدان منظورا عرقيّا، ما بين الجنس الآرى عقيدة النازية، والعرق اليهودى عقيدة الصهيونية، وقد لاحظت فى تجوالى بمدائن العقاد، أنه عنى بالكتابة عنهما، فبث للإذاعة المصرية ثلاثة أحاديث إذاعية رفيعة المستوى عن النازية والأديان، نشرت لاحقا ضمن الأعمال الكاملة للأستاذ العقاد، وفيها هاجم النازية بضراوة، وكشف أن عداءها لم يكن لليهود أو اليهودية خاصة، وإنما امتد عداؤها إلى جميع الأديان، ناظرة للأديان السماوية الثلاثة أنها من «أصول سامية».
ولم تمض إلاَّ سنوات قصار على إذاعة هذه الأحاديث الثلاثة فى ثلاثينيات القرن الماضى، حتى أصدر الأستاذ العقاد سنة 1940 بكتاب «هتلر فى الميزان» ــ وصدر بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية التى أشعلها هتلر، ولم تضع أوزارها إلاّ فى سبتمبر 1945 بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتيها الذريتين على هيروشيما ثم ناجازاكى فى أغسطس من ذلك العام، ثم أتبع ذلك بكتابه الضافى عن «الصهيونية العالمية».
هتلر مخلوق الظروف والمصادفات
اقترن اسم هتلر بالحرب العالمية التى أشعلها، ومن أخطاء تقديرات العامة وجماهير الدهماء لرجال الحوادث، أنهم يعظمون الرجل بمقدار ما فى يديه من سيطرة، أو بمقدار ما يثيره من ضجة. وكلا القياسين خاطئ، فقد حاز هذه أو تلك قطاع طرق، فوصل قاطع الطريق «باجى سقا» إلى كرسى الإمارة فى بلاد الأفغان، ووصل إلى رئاسة الدولة فى المكسيك، قاطع الطريق «فرانسيسكو بانش» (1877/1923) واشتهر باسم «فيفافيلا»، وكان يجهل القراءة والكتابة!
فلا حيازة السيطرة، ولا ضخامة الحوادث، ولا ضخامة الدولة، ولا اتساع مدى السلطان ـ بالمقياس الصحيح لكفاءات الرجال.
وإنما المقياس الصحيح أن نفصل بين فعل الرجل وفعل الظروف التى لا فضل له فى خلقها أو توجيهها، لنرى ماذا يستطيع عمله بمعزل عنها! وما هو ظله بعد نزوله عن القمة!
وليس فى العصر الحديث من حاكمٍ بأمره مَنْ خدمته «الظروف» مثل ما أفادت به «أدولف هتلر» زعيم النازيين. فهو من خلق الظروف والمصادفات!
* * *
من موافقات الظروف أن الألمان جميعا كانوا يطلبون تبديل الحال التى كانت عليها ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، فمنهم فريق يريد العودة إلى ألمانيا القديمة التى تسيطر على الدنيا وتتأهب للغارة الكبرى كرة أخرى، وهم أصحاب المصانع والضِّياع والقادة. وفريق آخر يريد تبديل الحال لبناء الدولة الألمانية على أساس جديد، وهم الفقراء والأوساط والعمال ودعاة الحرية وأعداء العهد القديم.
وتوافق الفريقان على الضرب بمعاولهم فى أساس النظام القائم، مما فتح من ثم ثغرة فى السد الذى كان يصد النازيين.
واتفق من غرائب المصادفات، أنه فى الوقت الذى ظهر فيه هتلر، رجحت كفة «ستالين» فى روسيا على كفة «تروتسكى» المبشر بتعميم الدعوة الحمراء فى أنحاء العالم، فقررت حكومة «السوفييت» أن تنفض يدها من الشيوعيين بخارج البلاد، فما هى إلا أسابيع معدودة حتى نفدت أموال الشيوعيين الألمان، فتحولوا بالألوف إلى معسكرات النازيين. والتى كان ملوك الصناعة آنذاك يوالون إمدادها بالإتاوات!
وأعجب من هذا أن جاءت المعونات تباعا لهتلر وأشياعه من موظفى الدواوين وهم أيدى الحكومة وعيونها، فبذلوا لهتلر وأشياعه قصارى المستطاع.
وعندما قضى على هتلر سنة 1923 بالسجن خمس سنوات، للعصيان وإشهار السلاح فى وجه الدولة، لم تمض تسعة أشهر حتى عُفى عنه خلافا لأحكام القانون التى تحظر العفو عن المجرم العائد، وكان قد سبق الحكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.
ولما تبين أن «الجنسية الألمانية» لا تشمله لأنه رعية الحكومة النمساوية، احتالت وزارة «برنسويك» بتعيينه فى وظيفة شرفية ليصبح بذلك ألمانى الجنسية وفقا لدستور «فيمار».
ومع كثرة هذا الإغضاء والموافقات التى حفت بهتلر وأشياعه، أتمت الدسائس فى حاشية المارشال «هندنبرج» ما بدأته الحوادث والأزمات والموافقات، فانتقلت بهتلر من شغب الطريق إلى ديوان الاستشارة.
ثم كان مع وهن المارشال الكبير بحكم السن ووطأة السنين، أن صار أرجوحة بين 
رجلين: أمين سره القديم الجنرال «فون شليخر»، وثانيهما «فون باين» الذى كان يساكن الرئيس «هندنبرج» فى قصر واحد، فكان أن صب سعى كل من الرجلين لتصفية الآخر فى صالح هتلر، فاقترح «فون باين» على المارشال الهرم أن يدعو هتلر لتأليف الوزارة مع اثنين أو ثلاثة من أنصاره يرضاهم المارشال. أملا فى أن ذلك سيضعف النازيين، وقنع «فون باين» بوكالة الاستشارة معتقدا أنه يملك زمام الأمور بسيطرته على المارشال وتألبه مع سائر الوزراء.
فلما طال التنافس بين الغريمين، انتفض «فون شليخر» على المارشال مع بعض القواد العسكريين ورؤساء العمال الساخطين على النازيين، وقبضوا على دفة الحكومة باسم الضرورة، فلما تناهى الخبر إلى «فون باين» سارع بإقناع المارشال بالإسراع إلى دعوة هتلر وإقامته على رأس الوزارة التى أتته هدية بفعل هذه الظروف والتوافقات، ثم كان أن جرت الانتخابات الجديدة بإشراف المستشار هتلر على الطريقة النازية المعهودة فتقوّى مركز هتلر، وصدرت المراسيم بحل جماعة الشيوعيين، واشتد المرض على المارشال الهرم، ثم مات وتبوأ هتلر مكانه باسم زعيم الأمة ومستشار الدولة، وأفلتت الأعنة نهائيّا من يدى «فون باين»، فكان أن وثب هتلر إلى موقعه الحاكم فى يسر وسهولة وأمان!
أفكار هتلر وأفكار غيره
يبدو للعقاد أنه كما حملت «الموافقات» والظروف هتلر إلى سدة الحكم، فإن الأفكار السياسية التى تبناها لم تكن من ابتكاره ولم تكن من صياغته، وكانت شائعة فى قومه قبل عهده بجيل أو جيلين.
فالجامعة الجرمانية التى تغنَّى بها هتلر، ظهرت فى موطنه قبل مولده بنحو ثمانين سنة، ودعا إليها الفيلسوف «هردر Herder» والفيلسوف «فيخته Fichte» منذ أوائل القرن التاسع عشر، وأسهبا فيها بمزايا الجنس الجرمانى وفضله.
ومن قبل الحرب العالمية الأولى، ظهرت دعوة «هر كلاس Her class»، واقترنت بها دعوة مشابهة، وفى شرحها الوافى بكتاب «فردريش نوما Naumann Friedrish»، أن التهام أوروبا الوسطى قد يتأتى بمجرد الإرهاب بغير قتال.
أما قداسة الجنس الآرى، فقد بشر بها آخرون منذ منتصف القرن التاسع عشر قبل مولد هتلر بنحو أربعين سنة.
والحركة النازية ذاتها سابقة بجملتها وتفاصيلها على هتلر، فقد ظهرت فى أوائل القرن التاسع عشر على يد «Vater Jahn» الخطيب المتهوس الذى نظم فى ألمانيا فرق القمصان الرمادية والأندية الرياضية، وبلغ من جنونه أن أشار بإقامة السدود بين ألمانيا وفرنسا، وبغرس الغابات التى تملأها الضوارى والسباع لصيانة الدم الألمانى من التلوث بأوشاب الأمم الأخرى!
وعلى جهل هذا الرجل وفراغ عقله، أهدت إليه جامعات ألمانيا ألقاب الشرف العلمية والفلسفية. ولم يتورع الأدباء والشعراء عن تمجيده.
ولم يكن هتلر أول الداعين لعداوة اليهود، كذلك الصليب المعقوف «شارة النازية»، لم يخترعه هتلر بل اقتبسه من الجنود الألمان الذين عادوا من «فنلندا» بعد أن حاربوا فيها الجيش الأحمر، ولم يتغير فيه سوى لونه من أزرق إلى أسود.
وما حركة القمصان فى ألمانيا الحديثة، إلا نسخة مستعارة من حركة القمصان فى إيطاليا الحديثة. كذلك الفلسفة النازية لا سيما فى حملتها على الديمقراطية، فهى محاكاة للحكم التيموقراطى Timocracy الذى ذكره أفلاطون، وصفة الرجل فيه أن يكون غليظا فى معاملة العبيد.
وأعجب من ذلك ـ أن هتلر لم ينشئ الحزب الذى صار رئيسا له، بل أنشأه «دركسلر Drexler» وبعض رفاقه، ولم ينشئ فرقة واحدة من فرق الجيوش الأهلية كفرقة القمصان البنّية أو الحرس السوداء، بل أنشأها بعض الضباط القدماء.
ليس إذن فى سيرة هتلر أو فى فكره ما يتبوأ به زعامة حقيقية!
‏Email:rattia2@hotmail.com
‏www.ragai2009.com

التعليقات