بدائل تمويل احتياجات التنمية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 12 أبريل 2021 12:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

بدائل تمويل احتياجات التنمية

نشر فى : الإثنين 18 ديسمبر 2017 - 10:50 م | آخر تحديث : الإثنين 18 ديسمبر 2017 - 10:50 م
إذا أمكنك أن تختزل كل العقبات التى تحول دون تحقيق تنمية اقتصادية شاملة فى مصر، فليس أجمع ولا أمنع من «التمويل» سببا لتلك العقبات. مشكلات الإدارة والتسويق ومختلف صور نقص المهارات البشرية، فضلا عن نقص فرص الاستثمار والمشكلات التقنية بالطبع، يمكن حلها جميعا إذا توافر لدى الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة التمويل المناسب. يمكنك أن تتصور أن التمويل وحده لا يكفى، بزعم أن إرادة التطوير يجب أن تكون حاضرة، ورؤية التنمية الشاملة المستدامة تظل مطلبا ملحا دونه يعجز التمويل عن تدوير عجلة الاقتصاد فى المكان الصحيح. لكنك هنا تكون قد أتيت نافلة من القول، وأسهبت فى سرد المسلمات، ومنها أن يكون للبشر رغبة فى الحياة، وأن يكون الإنسان رشيدا فى اتخاذ قراراته.. أنت إذا رهن لتوافر التمويل من أجل اجتراح المعجزات البشرية، تشغيل المصانع وزيادة الرقعة الزراعية وتطوير الخدمات وتحسين جودة الحياة.. وغير ذلك كله يمكن أن يتحقق بتوافر التمويل، لأن الأسواق اتسعت والمنتجات والخدمات تنوعت، والموانع والقيود على حركة التجارة قد أزيلت إلى حد بعيد، وصار بمقدورك أن تستورد كل شىء حتى العلم والعلماء والتكنولوجيا وبراءات الاختراع وكل ما من شأنه أن يحقق لك نموا مستداما مستقلا عن إرادة الأغيار.

لكن البحث فى بدائل التمويل عادة ما يكون قاصرا فى بلادنا، إذ جرى العرف على تمويل كل ما هو جديد إما تمويلا ذاتيا أو عبر قرض مصرفى، أو من خلال الطرح للأسهم والسندات عبر بورصة الأوراق المالية، والأخيرة لا يطرق بابها إلا قليل. الدول المتقدمة أدركت أهمية التمويل منذ زمن بعيد، واستطاعت أن تشتق من بدائل التمويل المحدودة (عبر أدوات الدخل الثابت أو المشاركة أو التمويل الذاتى) منتجات مالية متنوعة كان لعلم الهندسة المالية دور فى تطويرها، وصورا مبتكرة للمشاركة كان للحاجة الماسة إليها دور فى ابتكارها.

***

أشكال الشراكة بين القطاعين العام والخاص «public private partnerships» ومنها أنظمة الـ«BOOT» المعروفة التى يقوم من خلالها الشريك الخاص ببناء المنشأة أو خط الإنتاج أو المشروع بصفة عامة، ثم امتلاكه فتشغيله فنقله مجددا إلى الشريك الذى عادة ما يمثل المال العام، يمكن أن يكون التوسع فيها وتسهيل إجراءاتها فرصة جيدة لحل مشكلات التمويل الخاصة بالمشروعات ذات الطابع القومى، سيما إذا تضمن الاتفاق التزاما حكوميا بالتمويل عبر ما يعرف بنظام «G2G» أى من حكومة إلى حكومة. كذلك نتطلع فى مصر إلى توفير الأساس التشريعى المناسب لإصدار سندات الإيراد « revenue bonds»، التى يكتتب فيها المؤسسات والأفراد لتمويل مشروع (فى الغالب من مشروعات البنية الأساسية) على أن يحصل حاملو السندات على عائد ثابت من الإيراد الذى يدره المشروع الممول. ومن أمثلة المنتجات المالية التى يمكن أن توفر بدائل تمويل جيدة فى بلادنا، صكوك التمويل المختلفة، سواء أكانت متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية كصكوك الإيجارة والمرابحة والمشاركة والاستثمار والاستزراع... بغرض جذب الفوائض البترولية ومخاطبة شريحة معينة من المستثمرين، أو كانت صكوكا غير متوافقة وأحكام الشريعة، لكنها تحمل المواصفات المطلوبة لتمويل المشروعات المختلفة بدخل شبه ثابت مضمون بأصل وإيراد. 

السبيل إلى الاستفادة من بدائل التمويل التى قدمها لنا الغرب، وطورتها علومه يتطلب أولا بيئة تشريعية مواتية، تسمح باستحداث منتجات وأدوات مالية جديدة. كما يتطلب بيئة مؤسساتية منفتحة على التطوير، طاردة لأسباب الجمود البيروقراطى، مزودة بعناصر بشرية قادرة على قراءة لغة العصر، وعدم الوقوف أمام أى محاولة للتحديث بغرض وأدها قبل أن تصبح واقعا جديدا يحمل تلك العناصر على تطوير قدراتها للتكيف معه اضطرارا.

***

«النقود لا تلد» قالها أرسطو منذ مئات السنين، وظلت قاعدة لتحريم الربا حتى قبل أن تحرمه الشريعة اليهودية ومن ورائها الشرائع الأخرى، وقد أحل الله البيع وحرم الربا، فلجأت بعض الدول الإسلامية إلى هندسة منتجات مالية تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية (على اختلاف المذاهب بالطبع بما أدى إلى تباين المجالس الشرعية للبنوك والمؤسسات المالية)، ولاقت تلك المنتجات رواجا فى دول غير إسلامية مثل بريطانيا وألمانيا وغيرهما، وكان من ذلك أن ساهمت هذه المنتجات بشكل كبير فى تطوير أوراق مالية تقليدية، لتحمل الكثير من أسس الاقتصاد الإسلامى دون قصد تحرى البيوع الحلال، ولكن لما فى فلسفة هذا النوع من الأدوات والمنتجات من صيانة لرءوس الأموال والحد من تقلبات الفقاعات السوقية، بل ومن الدورات الاقتصادية التى هى لازمة أصيلة للنظام الرأسمالى. فالسندات ذات العائد المتغير تحمل الكثير من السمات المتفقة وأحكام الشريعة الإسلامية، كذلك الأوراق المالية المضمونة بأصول «Asset backed securities» هى صور من المنتجات التقليدية التى لا ترتب حقوقا على مديونية مضمونة بأصل. علينا أن نستثمر ميزة تنافسية كبيرة نمتاز بها فى مصر عن سائر الدول، لوجود مؤسسة الأزهر الشريف التى طورت من نظم التعليم بها لتصبح قادرة على استيعاب مختلف العلوم الحديثة، وهى بعد المؤسسة الأكثر مصداقية فى العالم الإسلامى كله، فيما يخص الفهم الصحيح المعتدل للأحكام الشرعية. والمقال لا يتسع للاستفاضة فى شرح مزايا ما يعرف بالاقتصاد الإسلامى ومنتجاته المالية المتنوعة، لكن الإشارة إلى ذلك واجبة فى سياق البحث عن بدائل التمويل الآمنة والمستدامة واللازمة لتلبية احتياجات التنمية فى مصر. 

***

أشكال الشراكة المختلفة تتطلب أيضا أدوات مرنة ومتطورة وواقعية للتقييم، لأنك تحتاج إلى تقييم الأصول التى تدخل بها شريكا بحصة عينية فى صورة أراضٍ أو عقارات أو أى نوع من الأصول، بما فى ذلك التدفقات النقدية المستقبلية للقيمة الإيجارية لبعض العقارات والأراضى. المغالاة فى تقييم الأصول بغرض سد باب التهم تأتى بنتائج سلبية للغاية خاصة إذا عهد بالتقييم لجهات حكومية بأمر القانون، لأن هذا يعنى أن فرص قبول الشريك الخاص للتقييم ضعيفة للغاية، بما يترتب عليه ذلك من فشل مشروعات للشراكة بين القطاعين العام والخاص، كان نجاحها إضافة مهمة للاقتصاد القومى، ووسيلة سريعة لوقف نزيف الخسائر التى تحققها بعض الشركات والمؤسسات.

بالأمس القريب أعلنت وزيرة التخطيط عن اعتزام الحكومة تسييس صناديق سيادية لإدارة أصول الدولة، وقبل ذلك بدأت وزارة الاستثمار فى تشكيل لجان معنية بتقييم أصول الدولة، بغرض تحسى فرص استغلالها على النحو الأمثل. كذلك اتجهت العديد من الجهات الحكومية إلى وضع خطط لحصر واستغلال الأصول غير المستغلة فى نشاط حكومى ملحوظ يبدو أنه يأتى بتوجيهات رئاسية مباشرة لا تقبل الجدل. حتى الجهات التى تتعامل مع تطبيقات وأصول غير عينية، علمت أنها عاكفة حاليا على وضع الأسس المقبولة لتقييم أصولها عبر لجان متعددة الأطراف.

هذه الجهود تستحق التقدير، خاصة إذا كان الاستغلال الأمثل لتلك الأصول هو تحويلها إلى نشاط منتج مستدام بخلاف الريع الذى لا يمكن الاعتماد عليه طوال الوقت. خلق قيمة مضافة للموارد والمنتجات الخام المصرية هو سبيلنا الجاد لإشباع احتياجات السوق المحلية من السلع والخدمات، بل وسبيلنا الوحيدة للتصدير بشروط تضمن عدم إهدار الموارد وتحقيق إيرادات كبيرة ومستقرة من النقد الأجنبى.

مصر اليوم تمتلك الكثير من مقومات وفرص النجاح الاقتصادى، نظرا لتفرغ الكثير من المؤسسات الوطنية حاليا لتشخيص الأدواء المختلفة التى تعانى منها سائر مؤسسات الدولة. التشخيص السليم هو البداية الواقعية لأى علاج، وبه تسقط العديد من شبكات الفساد التى عاشت تقتات على جسد الوطن لعقود طويلة. به أيضا يمكننا فهم الرقم الأهم فى معادلة الإصلاح على اختلاف أهدافه، ألا وهو التمويل الذى يجب أن يختص بالبحث فى بدائله بنك أفكار وطنى كبير يعمل لخدمة المشروعات المختلفة خاصة تلك التى تتضمن مشاركه بالمال العام أو المال المملوك للدولة ملكية خاصة.

 

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات