رحيل إدوار الخراط أديب الجيل القادم - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 5:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


رحيل إدوار الخراط أديب الجيل القادم

نشر فى : الجمعة 18 ديسمبر 2015 - 10:35 م | آخر تحديث : الأحد 20 ديسمبر 2015 - 3:54 م
كان لطه حسين ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم؛ الذين نما وعيهم الثقافى وموهبتهم قبل خمسين عاما ثم أصبحوا أدباء جيل الثورة والأجيال التالية، الفضل على الأجيال التى عاصرتهم والتى تلتهم حيث قُرئوا بشغف وشوهدت رواياتهم على شاشات السينما ثم التليفزيون وجاء أدباء تلاميذ لهم عن جدارة ولكل واحد منهم شخصيته الأدبية المتميزة الخاصة به مثل بهاء طاهر وجمال الغيطانى ويوسف القعيد، ويُحسب إدوار الخراط على هذه الزمرة العظيمة إلا أن إدوار الخراط لم يكن امتدادا تقليديا بشخصية أدبية خاصة لكنه كان الامتداد المتمرد المختلف، وفى هذا السياق سوف تسألنى ــ عزيزى القارئ ــ عن أسماء تربت على هذا الجيل وكتبت أدبا وتحولت بعض قصصها إلى أفلام ومسلسلات وترجمت قصصها إلى لغات أجنبية، والحقيقة أن هؤلاء الذين اشتهروا فى الثلاثين عاما الماضية لم يكونوا أدباء حقيقيين بالمعنى الذى أقصده، لقد كانت كتاباتهم تعبر عن انحلال المجتمع المصرى وتفسخه والصدام بين الإسلام السياسى والدولة وهذا شىء مقبول وجميل، لكنك لا تجد واحدا منهم يمكنك أن تقول إنه أديب له مدرسة فى الأدب والحكى، أو على الأقل تقول إنه امتداد جمال الغيطانى أو بهاء طاهر أو يحيى حقى أو يوسف السباعى مثلا فهم ليسوا امتدادا حقيقيا لهم، وأيضا لم يقدموا مدرسة جديدة، ولذلك يسقطون من ذاكرة الوطن الممتد وإن كانوا أخذوا مكانتهم فى مرحلة استثنائية من تاريخ الوطن لم يكن فيها إبداع من أى نوع سواء كان سياسيا أو فنيا أو علميا... الخ.
وبغروب هذه المرحلة ــ كما نرغب ونأمل فى أقرب وقت ــ وإشراق مرحلة إبداع ورقى فى كل المجالات فسوف يذكر هؤلاء الأدباء فى كتب المؤرخين مع السياسيين والفنانين والعلماء كطبيعة مرحلة تاريخية هابطة لكنها حتما ستسقط من ذاكرة الشعوب ــ ما علينا.
***
بالعودة لإدوار الخراط نجد أنه يقدم مدرسة جديدة فى الحكى تعبر عن ثقافة عميقة بالوطن مصر والعروبة والثقافة العالمية وهذه المدرسة ليست بشهرة المدارس الأخرى المعاصرة لسبب بسيط جدا هو أنه قدم أدبا متطورا لزمن الحداثة وما بعد الحداثة والجيل المتلقى اليوم لا يستطيع فهمه وإدراكه لأنه ضحية لانهيار التعليم وتفسخ الثقافة وتخلف التفسير الدينى وتدنى الحضارة؛ لذلك فهذه الأجيال فى معظمها من المستحيل أن تقرأ لإدوار الخراط وإن قرأت لن تستوعب ما بين السطور، لذلك أتوقع أن الأجيال القادمة سوف تعيد اكتشاف إدوار الخراط ذلك لأنه تعرض فى كتاباته للأصالة الثقافية والهوية والحداثة، وقال إن الأصالة لا تعنى التحجر وأن الهوية ديناميكية وليست استاتيكية.
إن كتاباته تقدم أسئلة أكثر من إجابات وهذا هو أدب ما بعد الحداثة. لقد كان مثقفا بالمعنى العالمى أى أنه كاتب وناقد وفنان تشكيلى وقادر على التقويم لكل ما يقرؤه أو يكتبه أو يراه من فنون تشكيلية أو ما يسمعه من موسيقى كان مثقفا موسوعيا يتقن ثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية بجانب اللغة العربية) أسس فنا سرديا جديدا لا تجده عند أى أديب سابق له، إنه مدرسة قائمة بذاتها، هجر الواقعية والتى كانت مسيطرة وانطلق نحو آفاق حديثة فى الأدب التعبيرى أكثر من الواقعى فابتدع ما سماه «كولاج قصص» و«نزوات روائية» ووضع نظرية لكتابة جديدة أسماها «الكتابة عبر التوعية» وأساسها نص أدبى مفتوح على جميع أنماط وطرق الكتابة الأدبية.
ركز اهتمامه على وصف خفايا الأرواح المعرضة للإحساس بالكآبة والإحباط ورسم شخوص تتخبط فى عالم ملىء بالظلم والاضطهاد والفساد فى رواية «راما والتنين» وهى الرواية الأولى له 1980 وقد جاءت على شكل حوار بين رجل وامرأة تختلط فيها عناصر أسطورية ورمزية فرعونية ويونانية وإسلامية، وقد كرر ذلك فى أكثر من رواية. فى قصصه القصيرة أبدع أسلوبا جديدا مبتكرا كان بمثابة قفزة مضادة فى مواجهة القديم الثابت. إنه لا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجع إلى الرواية الباطنية وهو أول من نظَّر لـ«الحساسية الجديدة» بعد نكسة 1967.
***
ولد إدوار الخراط عام 1926 فى مدينة أخميم التابعة لمديرية سوهاج، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1946 من جامعة الإسكندرية، ثم عمل فى مخازن البحرية البريطانية فى الإسكندرية، ثم موظفا فى أحد البنوك وعمل فى شركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955، ثم مترجما فى السفارة الرومانية بالقاهرة شارك إدوار الخراط فى الحركة الثورية فى الإسكندرية عام 1946 واعتقل فى مايو 1948 فى معتقلى أبو قير والطور، وفى المعتقل تفاعل مع ذاته فى المحبس وحيدا ومعه القضبان الحديدية المحيطة به ليخرج أبدع ما فيه من ذخيرة وعطاء أدبى وفنى.
عمل فى منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية وفى منظمة الكتاب الإفريقيين والآسيويين من 1959 وحتى 1983 ثم تفرغ بعد ذلك للكتابة، فاز بجائزة الدولة لمجموعة قصصه «ساعات كبرياء» عام 1972. أغرم وعشق مدينة الإسكندرية وألف عنها «ترابها زعفران» يقول عنها كأصداء لهويته المصرية الصعيدية المسيحية الإسكندرانية «عرَّشت أشواق عشقى فى مدينتى العظمى الإسكندرية، الثغر المحروس، الميناء الذهبية، رؤيا ذى القرنين، واللؤلؤة (قلبطة) ويقصد بها كليوباترا الغانية الأبدية». أما رعايته للأدباء الشبان فكانت من الأمور المميزة فى شخصيته فقد علم الكثيرين منهم فن الكتابة وكان يعتبر نجاح أحد منهم نجاحا له.
***
لإدوار الخراط ابنان (أيمن وإيهاب) يعيش أيمن الابن الأصغر فى إنجلترا ويعمل استاذا جامعيا للفوتغرافيا العملية. تعرفت على إيهاب الابن الأكبر منذ أكثر من ربع قرن كان فكره مختلفا تماما عن والده لأنه كان أصوليا محافظا فى إيمانه المسيحى حيث تربى فى كنيسة محافظة وتركه والده لينضج على مهل، وهو طبيب نفسى مجتهد وناجح، وعندما بدأ يتجه لعلاج المدمنين ورأى الإنسان الضعيف الذى يحتاج إلى تعضيد نفسى وروحى واجتماعى ــ فى المركز الذى أسسه لهذا الغرض ــ استطاع أن يعيد اكتشاف نفسه وإيمانه وأبيه ووطنه والعالم المحيط؛ فعمل بالسياسة وشارك مع عائلته فى ثورة 25 يناير واعتقل ابنه أثناءها وصار عضوا فى مجلس الشعب الدورة السابقة. هذا هو إدوار الخراط الذى سوف يرفع عنه الحجاب والتهميش عندما يأتى جيل مصرى مثقف وهو قادم لا محالة بعد انقشاع غمة التطرف الدينى والسطحية العلمية والأدبية والفساد الثقافى يومها ستكون كتب إدوار الخراط هى المناسبة لأفلام يخرجها مخرجون مثقفون على خطى يوسف شاهين وتقرر وزارة التربية والتعليم التى يكون المسئول عنها أحد كبار مثقفى مصر كتب الخراط لتلاميذ المدارس فيقرءونها بشغف لأنهم جيل مصر ما بعد الحداثة.

أستاذ مقارنة الأديان

اقتباس
الأجيال الحالية فى معظمها من المستحيل أن تقرأ لإدوار الخراط وإن قرأت لن تستوعب ما بين السطور لذلك أتوقع أن الأجيال القادمة سوف تعيد اكتشاف إدوار الخراط ذلك لأنه تعرض فى كتاباته للأصالة الثقافية والهوية والحداثة.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات