شاي بالنسكافيه - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


شاي بالنسكافيه

نشر فى : الخميس 18 أكتوبر 2018 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 18 أكتوبر 2018 - 9:55 م

وقفت المفعوصة الصغيرة ذات الأعوام الثلاثة أمامي، كفها مسنود على ساقي وعيناها تلمعان وهما مصوبتان تجاه كوب الشاي باللبن الذي لم أكن قد ارتشفت منه إلا رشفة واحدة، ثبتت نظارتها الفوشيا على أنفها وقالت لي بصوت مسموع : عاوزة شاي بالنثكافيه . يا ربي ماذا أصنع مع هذه المخلوقة التي تقطر عسلا مصفي مع كل لثغة تنطق بها؟ أصلا مجرد اقترابها مني واتكائها على ساقي كان أمرا بعيد المنال، فمثلها مثل كل العصافير الصغيرة فإنها تفزع منا نحن الكائنات الضخمة حين نقترب منها ومن الصعب جدا الإمساك بها، فإن أنت أمسكت بها لا تلبث أن تفلت منك في لمح البصر، فما بالك إذن وهذه المفعوصة تلغي كل المسافات بينك وبينها لا بل وتطيل وقوفها معك لحين انتهاء كوب الشاي باللبن؟
***
كل الجدّات ينصحن الأبناء بأنه لا يجب استدرار قبلات الأطفال مقابل المتع الصغيرة التي يحصلون عليها، قد تكون المتعة في ترك التليفون أو الآيباد معهم لوقت أطول، وقد تكون في السماح لهم بتناول المزيد من الشيكولاتة والحلوي، فالقصد هو ألا يتربى الأطفال على أن المشاعر لها مقابل مادي. يا سلام! درس تربوي في الصميم فعلا، لكن للأسف فإن هؤلاء الجدات سرعان ما يضعفن أمام الأحفاد فيرحن يساومنهم على المتعة بقبلة. ومثل كل هؤلاء الجدات طلبتُ بدوري قبلة من حفيدتي مقابل أن أشركها معي في شاي الصباح فلم تقاوم وطبعت على خدي قبلة، كانت قبلتها ندية. أخذت تنظر إلى حلقات الدخان المتصاعدة من الكوب وتتعجل تبريد الشاي وهي تسألني سؤالا تعرف إجابته جيدا: ثخن؟ فأرد بالإيجاب. لأجل عيون هذه المفعوصة الصغيرة أتخلى عن حبي للشاي الساخن جدا لنتشارك معا في شرب شاي بارد لا طعم له. قرّبت فمي من الكوب ورحت وإياها ننفخ في الشاي، اختلطت أنفاسها بأنفاسي والتصقت بي والتصقتُ بها، يا له من صباح جميل. أخذَت الصغيرة أول رشفة وتذوقتها في تلذذ، نظَرَت إليّ نظرة رضا واتكأت أكثر على ساقي، هل أصحح لها فهمها للعلاقة بين الشاي باللبن والنسكافيه باللبن أم أتركها تمزج بين الاثنين في مصطلح واحد من نحتها هي؟ قررتُ أن أتركها وشأنها، ففي الواقع تمثل هذه التعبيرات الطفولية متعة حقيقية للجدات، وهي عادة لا تبارح ذاكراتهن مهما نسين من أشخاص وأحداث، في العادة لا ينسى المرء شيئين: ما يسعده كثيرا وما يحزنه كثيرا وهي تسعدني بلا مدى. يبدو أنني تأخرت عليها قليلا وأنا مترددة في أمر مصارحتها بأنه لا يوجد على الأقل حتى الآن شيء اسمه شاي بالنسكافيه فجذَبَت ذراعي لأناولها رشفة أخرى باردة، تسبَبَت حركتها المفاجئة في سقوط بعض قطرات الشاي فوق بلوزتي الوردية، لا مشكلة ففوق الفرش والثياب والسجاد قطرات / ذكريات مشابهة لسوائل من كل نوع .
***
أفلتَت الصغيرة من حصاري كما يفلت العصفور من القفص، انطلقت إلى المطبخ دون أن تنبس بحرف ثم عادت ومعها بعض قطع البسكويت واستكانت مجددا في حرمي ودائرتي. هكذا ؟ تبحث هذه المفعوصة إذن عن المزاج الكامل، تريد أن تغمر البسكويت فيما تبقي من كوب الشاي لتستمتع أكثر. تذكرت أنني وأنا في مثل عمرها أو أكبر قليلا كنت أحب جدا بسكويت ماري الملفوف في ورق فضي لامع، كنت ألتهم البسكويت في كل الأشكال، جافاً أو مغموساً في الشاي باللبن وأحيانا في الماء فلم يكن مسموحا لنا باحتساء مزيج الشاي باللبن إلا مرة واحدة في الصباح، كذلك كنت ألتهمه صحيحا كاملا أو مقطعا على شكل مكعبات صغيرة تعلو بعض الحلوى المنزلية مثل بودينج الشيكولاتة، وعندما كنا نخبز بعض صواني البسكويت في المنزل على فترات متباعدة كانت رائحة الخبيز تصيبني بالدوار، مممممم.. هل فعلت الچينات فعلها وورثت حفيدتي عني حب البسكويت؟ هذا تحميل الأمور فوق ما تحتمل فمعظم الأطفال يحبون البسكويت دون وراثة ولا يحزنون .
***
انهمكَت الصغيرة في عملية ترطيب البسكويت بقطرات الشاي باللبن ولم تكن المهمة سهلة، رحت أراقبها وقد قطَبَت جبينها واستجمعَت تركيزها كي تُخرج البسكويتة تلو الأخرى من الشاي بسلام وتلتهمها في سعادة . لم يخل الأمر بطبيعة الحال من إخفاقات بسيطة عندما كانت تغافلها بعض قطع البسكويت لتذوب وتستقر في قاع الكوب فلا تدري حفيدتي ماذا تفعل، لكن بشكل عام كانت النتيجة مرضية. كتمتُ ضحكتي ومفعوصتي تحاول جاهدة أن تلعق بلسانها قطعة صغيرة جدا من البسكويت التصقت بزاوية فمها فلم تستطع أن تطولها، كتمتُ ضحكتي لأن الأطفال لا يحبون أبدا أن يسخر منهم أحد، لكني في الوقت نفسه لم أتدخل لمساعدتها، بدا شكلها لطيفا جدا وآثار البسكويت تلتصق بفمها، أنانيات نحن الجدات في تعاملنا مع هذه المخلوقات الحبيبة، نحب منها ما يسعدنا حتى وإن كان يجعل لها شكلا كوميديا، ماذا؟ أنانيات؟ لم تترك الصغيرة نقطة واحدة في كوب الشاي الذي هو درة هذا الصباح وكل الصباحات فمن أين تأتي الأنانية إذن؟
***
مع آخر رشفة من الشاي بالنسكافيه غادرت الحفيدة زمامي ومضت تلعب بواحدة من أميرات عالم ديزني كالمعتاد، راحت تحل شعر العروسة المضفور وتعيد تثبيت التاج الفضي فوق رأسها.. تحب البنات جدا الشعر الطويل المنسدل، وفيما أنا أفكر في مغناطيس آخر يجذب هذه الصغيرة لحضني إذا بها تعود من تلقاء نفسها وفي يدها أميرتها لتسألني في شيء من الخجل: ممكن تاني ؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات