«عيار نارى».. البحث عن الحقيقة المراوغة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 10:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«عيار نارى».. البحث عن الحقيقة المراوغة

نشر فى : الخميس 18 أكتوبر 2018 - 10:05 م | آخر تحديث : الخميس 18 أكتوبر 2018 - 10:05 م

ينضم فيلم «عيار نارى» الذى كتبه هيثم دبور، وأخرجه كريم الشناوى، بجدارة إلى قائمة أفضل ما شاهدت من أفلام مصرية فى 2018، يظلمون الفيلم كثيرا إذا أصروا على قراءته على أنه ضد ثورة يناير، وأنه يتبنى رأى الداخلية فى مسألة ضحايا المظاهرات، الفيلم أكبر من ذلك بكثير.
الأحداث تقع أثناء مظاهرات الثورة الممتدة بعد سقوط مبارك، ولكن الفكرة عن الحقيقة بوجوهها المراوغة والمتعددة، عن مدى تقبلنا لها، واستعدادنا لمواجهتها، عن مأزق قولها أمام الناس، أو إخفائها عنهم، وهى فكرة تتعامل بالأساس مع الطبيعة الرمادية للإنسان فى كل زمان ومكان، ومن هنا جاءت قوة السيناريو المحكم، وقوة بنائه وتأثيره.
الفيلم ببساطة عن مأزق أخلاقى يقع فيه الطبيب الشرعى الشاب ياسين (أحمد الفيشاوى): هل يصر على ما يكتشفه فعلا بأن شابا اسمه علاء (أحمد مالك) قد قتل فى مظاهرات لاظوغلى من مسافة قريبة بعيار نارى أم يسير مع الرأى القائل بأن قناصة وزارة الداخلية هم من قتلوه من مسافة بعيدة عالية؟
الطبيب ليست لديه مشكلة لا مع الثورة ولا مع غيرها، مشكلته مع الحقيقة، وهو ما سيفعله قبلها مع حادثة لا علاقة لها بالثورة، هى انتحار زوجة بعد أن ضبطها زوجها مع عشيقها، القضية إذا تذكرنا بموقف الفرد عندما يواجه الحقيقة والناس معا، وقضية قتل المتظاهرين نموذجية تماما فى هذا الشأن؛ لأن المطلوب دراميا أن يواجه الطبيب رأيا عاما مكتسحا، وسنجد تنويعات على هذا المعنى فى أفلام ومسرحيات كثيرة، منها ما واجهه الطبيب (شكرى سرحان) فى فيلم «صراع الأبطال» لتوفيق صالح.
المبهج أن هيثم دبور لم يعتمد على قوة فكرته فحسب، ولم يقع فى فخ أن يهتف بها، ولكنه نقلها عبر جسر متين من الدراما المتماسكة، وعبر شخصيات رسمت معالمها بشكل جيد للغاية، وخصوصا الطبيب الذى يعانى من اتهام والده الوزير السابق بالفساد، كما أنه يهرب دوما بتناول الخمر، كما رسمت أيضا بشكل ممتاز ومقنع أسباب ودوافع الجريمة التى ارتكبت، ثم تواطأ عليها أهل زينهم.
من أفضل الشخصيات التى عبر عنها السيناريو شقيق علاء (محمد ممدوح)، وأمه (عارفة عبدالرسول)، وخطيبته (أسماء أبو اليزيد)، كل مشهد يقودك إلى معلومة جديدة، والرحلة يقوم بها باحثان عن الحقيقة هما «طبيب شرعى»، و«صحفية» فى جريدة مستقلة (روبى).
لا يصل المأزق الأخلاقى من خلال الحوار فحسب، ولكن صورة عبدالسلام موسى التى تضع الشخصيات فى الظل دائما، وموسيقى أمين بو حافة التى تذكرنا دوما بأن المهمة شاقة وصعبة، أو تثير شجنا متعاطفا مع هذا الذى يضع يده فى عش الدبابير، والجو العام الذى نجح فيه المخرج كريم الشناوى، كل ذلك يترجم خطورة المغامرة، ثم تأتى النهاية لكى تجعل الطبيب ينكر الحقيقة، بينما تتردد الصحفية فى قولها، وكأن مشكلتنا مع الحقيقة لها سببان:
صعوبة الوصول إليها، وصعوبة مواجهة الناس بها، هنا منطقة رمادية تحبها الدراما؛ لأنك تشاهد الإنسان بكل قوته وضعفه، لا توجد نماذج كارتونية، وإنما شخصيات من لحم ودم، تسعد ببحثها عن الحقيقة، وتتفهم ضعفها عن مواجهتها.
«عيار نارى» لا يعنيه مصدر الرصاصة، يعنيه مواجهة الحقيقة بشجاعة ، وأن نلتمس الوصول إليها ما استطعنا، أن نعرف الفارق ما بين علاء وصديقه محمود، والفارق ما بين الطبيب ورئيسة المصلحة، لم أستغرب أبدا الضجة والجدل اللذين أثارهما الفيلم، بل إن هذه الضجة، وهذا الجدل، هما الدليل الحى على أن أحدا لا يحب أن يواجه الحقيقة، أو يغير ما يظن أنه «حقيقى»، حتى ولو كان ذلك من باب الافتراض الدرامى فى فيلم سينمائى!

التعليقات