مقتنيات وسط البلد - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 9:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

مقتنيات وسط البلد

نشر فى : السبت 18 سبتمبر 2021 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 18 سبتمبر 2021 - 9:20 م

كعادته عندما يعرض الفنان التشكيلى، محمد المصرى، عملا جديدا يصاحبه بنص موازٍ مكتوب بعناية. هذه المرة هو يشارك ضمن حوالى ستين فنانا من سائر أنحاء المعمورة فى حدث فنى كبير نتنقل خلاله بين عدة أماكن بوسط مدينة القاهرة، وهو بمثابة مهرجان أول للفنون التشكيلية بوسط البلد تقوم بتنظيمه حتى 27 أكتوبر مؤسسة آر ديجيبت، بالتعاون مع شركة الاسماعيلية للاستثمار العقارى التى تملك مساحات العرض المختلفة، ويأتى هذا فى إطار خطتها لتطوير المنطقة لكى تتحول لمحور ثقافى ممتد أو مركز جذب للفنون بأنواعها.
اختار محمد المصرى لمشروعه الفنى الجديد اسم «التكعيبة» نسبة إلى المقهى الذى ميز شارع النبراوى، خاصة مع ظهور جاليرى «تاون هاوس» بالجوار فى نهاية التسعينيات، إذ صار المكان بؤرة للنقاش والعصف الذهنى بين الفنانين الشباب وقتها حول مفاهيم الفن المعاصر وموضوعات أخرى تشغل بالهم، فقد كان ذلك فى مرحلة انتقالية تنسحب فيها المؤسسات الثقافية الرسمية من الساحة لتحل محلها أخرى من المجتمع المدنى أو الفاعلين الجدد المدعوم بعضهم بتمويلات أجنبية. لخص محمد المصرى الحكاية من خلال خمسة مصطلحات (تمويل، مفهوم، معاصر، فن مفاهيمى أو تصورى، منظم معارض) جسمها بالقماش بألوان زاهية فصارت تشبه الوسادات المحشوة، كما ألمحت بنت صغيرة جاءت لزيارة المعرض بمصاحبة أهلها حين أخذت كلمة «fund» أو «تمويل» المطرزة بلون زهرى فاقع وقررت أن تضعها تحت رأسها عند النوم، فانطلقت الضحكات والتعليقات حول إصابتها الهدف بتلقائية وذكاء فطري! يقول محمد المصرى فى توطئته: «لا أعتقد بأى شكل من الأشكال أن الحاج الذى لم أعرف اسمه أبدا، عندما قرر أن يؤسس هذا المقهى الصغير تحت التكعيبة، فى شارع منسى فى وسط المدينة خلف أحد القصور المهجورة الذى كان وقتها مدرسة عتيقة، تخيل فى أى وقت من الأوقات أن يتحول هذا المكان إلى مركز من أهم مراكز القاهرة الثقافية، أو أن يكون له هذا الأثر فى تشكيل الوعى الجمعى للمجتمع الثقافى المصرى خلال فترة حرجة (...) توسع المقهى ليضم المحلات المجاورة، ثم فقدها تباعا بسبب النزاع مع إحدى المؤسسات. كما أن الثقافة المصرية والحراك المستقل فى مصر تضخم إلى أن التهم نفسه، وقضى على أسباب وجوده بنفسه.. ولكن تلك قصة أخرى ربما أحكيها فى يوم آخر. (...) أعتبر هذه الفترة هى التكوين الأيديولوجى واكتشاف الذات والآخر لعدد من الفاعلين فى المشهد الثقافى الآن. هذا الزخم تحقق فى التكعيبة بسبب الموقع الجغرافى للمقهى وسط أغلب قاعات العرض الجديدة والقديمة.. الأجنبية والمحلية.. وحتى المؤسسات الرسمية كانت بالجوار». ثم يختتم كلامه قائلا: «تفقَد المكان واقتنِ المصطلح المناسب لك، ولنتذكر جميعا أن مكان وقوفنا الآن هو ذات المكان الذى جمعنا وساعدنا أن نصبح ما أصبحنا عليه (...) أقدم هذا المشروع تحية واعتراضا وإثباتا أن هناك شيئا حدث هنا ذات يوم». هو بالفعل يعرض فكرته فى أحد المحلات الستة الصغيرة التى كانت جزءا من مقهى «التكعيبة»، وانتقلت ملكيتها حاليا لشركة الاسماعيلية وتحولت إلى قاعات عرض صغيرة تُركت على حالها، احتراما لهوية المكان البصرية، فنجد مثلا داخل بعضها منصة الشاى القديمة الخاصة بالمقهى أو ما يشابه ذلك.
•••
فى محل آخر صغير كان تابعا للمقهى يقدم محمد أبوالنجا مشروعا بعنوان «نحن بالداخل»، عبارة عن أربعة أوانٍ كانوبية كبيرة الحجم، مثل تلك التى كانت تستخدم فى التحنيط لدى المصريين القدماء ويتم فيها حفظ الأحشاء، ويعلوها عادة رأس معبود. يتحدث أبوالنجا عن «إعادة تدوير الآلهة والاحتفاء بالحياة» فى وقت يتهاوى فيه الجسد، «فأنت مجرد إناء كبير ينعكس ما بداخله على وجهك وجسدك، فعليك أن تراعى نفسك». وفى محل آخر مجاور يعرض عدة فنانين تنويعات وتشكيلات مختلفة من فرس النهر رمز الحماية والأمومة والقوة عند الفراعنة، وكان يوضع أيضا فى المقابر. العديد من الأعمال المشاركة فى هذه الفاعلية مستلهمة من الحضارة المصرية والأساطير القديمة، فهذه المعارض تقام بشكل متواز وتمهد لفاعلية أخرى كبيرة من تنظيم «آر ديجيبت» ستشهدها منطقة أهرامات الجيزة فى الفترة من 21 أكتوبر إلى 7 نوفمبر، بمشاركة فنانين من بلدان عدة. لكن نظل هنا ندور فى مدار «التكعيبة» و«متاهة» وسط البلد الفنية، من محل إلى آخر، فنقف مرة أخرى أمام أحد الدكاكين التى كانت تابعة للمقهى حيث يُعرض مشروع للفن الرقمى بعنوان «عراف الأكاذيب، المتاهة» لآية طارق وأدو برنسن، تأملٌ مختلفٌ للواقع ينطلق من الأسطورة: «العراف هو نقيض كساندرا، أميرة طروادة وكاهنتها التى حباها أبولو بالقدرة على التنبؤ بالمستقبل، ولعنة فى ذات الوقت بألا يصدق تنبؤاتها أحد، أما العارف فكاذب صانع أوهام، محتال، ولكننا نختار أن نصدقه لأننا نريد ذلك، إنه يردد الأكاذيب التى نرغب فى سماعها كى نشعر بالأمان».
•••
ومن هذه المتاهة ندخل إلى متاهة أخرى صنعها حازم المستكاوى من الورق والشمع والمواد التى تم إعادة تدويرها لنلعب بها معه، وهى ضمن مجموعة من الأعمال لحوالى عشرين فنانا يعرضون فى قاعة «الفاكتورى»، أيضا بشارع النبراوى، كما يشير اسم القاعة بالإنجليزية، كان المكان مَصنعا فى وقت سابق ثم صار تابعا لجاليرى تاون هاوس ودخل مؤخرا ضمن مقتنيات شركة الاسماعيلية، ما يرجعنا مجددا إلى فكرة محمد المصرى وتحولات المنطقة والحيوات المختلفة للشوارع والأحياء، فقد كانت هذه القاعات حتى وقت ليس ببعيد عبارة عن ورش ومصانع صغيرة وجراجات. كانت ضمن ملامح عصر، سبقه عصر آخر بملامح ومعالم مغايرة تماما لوسط البلد الخديوية التى ظلت لسنوات طوال حكرا على طبقة معينة.
ونحن نتجول بين الشوارع ونقطع الطرق من محل إلى آخر لاكتشاف الأعمال الفنية تلاحقنا رائحة الشواء من أحد محلات الكباب، ونحاول تفادى الزحام على بائع ساندوتشات الشاورمة. تطالعنا كذلك لافتات بعض الدكاكين التى تتعايش حتى الآن مع هذه التغيرات: ورشة للأخشاب أو جراج وميكانيكى. ربما سيكون مصير هؤلاء إلى زوال تدريجيا، ففى المجتمع ما بعد الصناعى، ننتقل من إنتاج السلع إلى تقديم الخدمات وتصبح المعرفة والأعمال الإبداعية شكلا ذا قيمة لرأسمال. وحين نكون بصدد إعادة النظر فى المشهد العمرانى للمدينة كما يحدث الآن، نجد أنفسنا أمام عملية «استطباق» (gentrification)، فيتم إحلال العمال والطبقة المتوسطة بطبقة أرقى نتيجة لزيادة قيمة الوحدات السكنية بعد التطوير والإحياء. ومع أصحاب رءوس الأموال الذين يهدفون للاستثمار فى مجال الخدمات الترفيهية والترويحية فى هذا الحى الذى تحول إلى نقطة جذب، يكون هناك دوما مجال لأصحاب المهن الإبداعية والابتكارية، إذ يجد عادة الفريق الأول صيغا لتغليف النقد الاجتماعى والفنى، وتطويعه بما يتناسب مع بنيته الأيديولوجية. يتحول المصنع القديم بجدرانه المتهالكة إلى قاعة عرض أو سينما، إلى شاهد على عصر فات، ونراقب نحن ما يحدث عن كثب، وآخرون يجلسون على ما تبقى من مقهى التكعيبة.

التعليقات