مَخزُونات العُمْر - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 2:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

مَخزُونات العُمْر

نشر فى : الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 8:55 م | آخر تحديث : الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 8:55 م

في الحقيبة القديمة مشط له أسنان مكسورة لحادث وقع له، ومروحة يد لم تعد صالحة للاستخدام بسبب تمزقات أصابتها؛ لكن الغرضين لا يغادران الحقيبة، إنما يقبعان في القاع كأنهما صارا جزءًا منها.

ثمة أشياء صغيرة نرتبط بها وترتبط بنا رغم ما قد تبدو عليه من مظهر متواضع؛ إذ لها ذكرى لا تنسى؛ أوراق قديمة صفراء تآكلت حوافها وبهتت الكلمات التي تحملها؛ حتى لم تعد مقروءة لمن لا يعرفها سلفًا، بطاقات تهنئة بأعياد ميلاد ومناسبات أخرى سعيدة ربما لا تحمل توقيع صاحبها. أقلام جافة ومناديل وزجاجات عطر فارغة، وميداليات تحمل مفاتيح لا ندري على وجه الدقة أي باب توصده. أغراض مخزونة أنهكها الزمن ولم يعد لها استعمال حقيقيّ، نهتم بها ونجد سعادةً خفيّة في حضورها؛ إذ هي تلهمنا بهجةً لا ترصدها العيون. في كل درجٍ وحقيبةٍ أو رفٍ؛ ذكرى مُنزوِية بأحد الأركان، مُتربة أغلب الأحيان، تلوح بلا فائدة؛ لكنها قد احتفظت بوجودِها على مرَّ السنين والعقود؛ فلم تلق مَصير المُهملات التي يتلقفها صندوقُ القمامة ويذهب بها إلى مَصيرٍ مَجهول.
***
القيمةُ التي تحملها هذه المَسرَّات البسيطة ليست مادية بكل تأكيد؛ لا يمكن مثلًا بيعها والتحصل على مقابل ولو ضئيل من ورائها؛ لكن نظرة عابرة إليها تعادل كنزًا؛ إذ تستدعي مَواقفَ تركت ذات يوم بصمةً في الروح، وتحيي أحاسيسَ مُغرقةَ في القِدَم وترد إليها طزاجتها وبريقها وكأن أوانَها لم يمُر. جلسة خاصة معها تعيد إلى المرءِ ذاكرة ما تراكم عليه الغبارُ وأرهقه؛ هي قيمةَ ما فات وانقضى، ولم تتبق منه سوى شذراتٍ تسَجّل لمحاتٍ من التاريخ الشخصيّ الذي قد يكون مُتوازيًا، لا يعلم عنه الآخرون شيئاً.
***
الاحتفاظ بالأشياء ليس دومًا على هذا القدر من الشاعرية، فهناك مَن يحرص على استبقاءِ كل ما عَبَرَ أمامه أو مسَّته يداه. زجاجاتٌ من البلاستيك، أكياسٌ ورقية، أغطيةُ برطمانات وأعواد ثقابٍ محنيَّة وعُلب متنوعةَ الأشكال والأحجام، جرائد ومجلات، وإعلاناتٌ مُلونة لمطعمٍ وصيدلية ومَحَلِ تنظيفٍ جاف. يصبح مَوضِع إقامتِهم مُزدحمًا بلا شيء وبكُل شيء.
***
في بعض الأحيان، تقوم علاقةَ وثيقةَ بين الشَّخص وما جَمَعَ من أغراضٍ لا تحمل له ذِكرى مُحدَّدة، بل لا يكاد يعرف مِن أين جاءت ولماذا بقيت في حوزتهِ، وبغضَ النظرِ عن جدواها، ومعقوليةِ الاحتفاظ بها؛ تصبح كل قطعة منها فردًا من عائلته، تتكاثر ويتحول التخلص منها إلى أزمة نفسية عنيفة، فيما عبء الإبقاء عليها يتفاقم. ليس للأمر علاقةَ بمجتمعٍ ثريّ أو غربيّ، فعادة مُراكمة الأشياء التي تُعَدُّ بمنزلة سلوك مرضيّ معروف؛ موجودٌ بين البشر جميعًا على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والطبقية، وكثيرًا ما تُقدّم البرامج التلفزيونية الاجتماعية في الدول الأوروبية وأمريكا فِرقًا مُدرَّبة تساعد الشخص المَنكوبَ بأطنان المُخلّفات في الخروجِ من بينها، والتخلي عنها وبدء حياةٍ جديدة أخفّ وأكثر حرية.
***
على مسرحِ الحياة مُهمَلات لا حصر لها، تتوالد باستمرار وتعوق الحركةَ الطبيعيةَ، وتجعلُ الناسَ يتعثَرون في خطواتِهم؛ والحقُ أنهم قد جمَعوها بأيديهم، وأفسحوا لها المكانَ وارتضوا وجودَها، بل وأنشأوا معها علاقاتِ ودٍ وألفةٍ، وابتدعوا للاحتفاظ بها ما طرأ لهم مِن أسبابٍ وحُججٍ ومُبررات، وحين أدركوا حجمَ الخسارة التي تنتج عنها، كان الأمرُ قد صار مُعقّدًا ولم تعد إزالتُها أمرًا تافهًا مُباحًا، ولم يعد إلقاؤُها بعيدًا عن مَساراتهم فعلًا هينًا ويسيرًا؛ لكنهم للحقّ مُضطرون إلى الاعتماد على أنفسِهم، فثمة ما لا تصلح فيه مساعدةٌ، وثمة ما ينبغي على المرء أن يُنجزَ بيده، ولا أدرى بكُنه المَخزون مِمَن اختزنه.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات