توفيق الحكيم وعودة الوعى! (3) - رجائي عطية - بوابة الشروق
الأحد 20 أكتوبر 2019 3:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

توفيق الحكيم وعودة الوعى! (3)

نشر فى : الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 7:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 7:45 م

لا أحسب عاقلا يوصف دعوة توفيق الحكيم على أنها جحود ونكـران للجميـل، فذلك لا يكون إلا فى العلاقات والمصالح الشخصية، ولا يجرى فى مصائر الأوطان والشعوب.

وقد بدأ الأستاذ توفيق الحكيم بمتابعة الحكم الذى أخذ يتحول بسرعة إلى الحكم المطلق، وإحصاء المظاهر والأسباب والآثار، ولا شك أن ما بدأ به هو عصب الكتاب وأساسه، على أنى آثرت قبل توصيف الحكم، أن أبدأ بتناول القرارات الانفرادية الكبرى التى أدت إلى ذلك وأثرت فى مصير الوطن، فى حاضره ومستقبله.
عن «مغامرة اليمن»، كتب الأستاذ توفيق الحكيم يقول إنه «ما كادت قناة السويس تستقر فى أيدينا بأعجوبة فى عام 1956 ونرى ذهبها يلمع فى أكفنا، حتى مضينا نلقـى به على تلال اليمن. وكانت قبائل اليمن التى نريد استمالتها إلى جانبنا لا ترضى بغيـر الذهب. فكانت تلقى إليهم من طائراتنا الزكائب الممتلئة بالأصفر الرنان، كما كانت ترمى من الجو لجيوشنا أطنان التموين والغذاء من صفائح الجبن الفاخر والمعلبات واللحوم والفواكه. ولكن الشمس الحارقة وعدم وجود ثلاجات كان يفسد هذه الأطعمة، فتترك فى أماكنها مكدسة ولعب فيها الدود وانتشرت منها رائحة العفن، فلا يقربها أحد.. وأهل مصر من الجياع والمحرومين لا يعرفون أن طعامهم هذا الذى يتمنونه ملقى للحشرات على تراب اليمن السعيد. وهل استملنا مع ذلك قبائل اليمن بذهبنا؟ قيل إن القبائل ـ حتى الموالية لنا ـ كانت تأخذ ذهبنا بالنهار وتترصد لضباطنا وجنودنا بالليل، ثم بعد ذلك انتهى الأمر باليمن كلها أن سارت مخالفة لمصر فى اتجاهها السياسى.
«إن تاريخ حرب اليمن سيكتب يوما فى صفحات صادقة لنعـرف حقيقـة ما جرى هناك، وماذا كانت النتيجة التى خرجنا بها؟ إنه من المؤكد الآن هو أنه بالإضافة إلى الأرواح التى ضاعت من جيوشنا، وتقدر فيما يقال بعشرات الآلاف من الرجال، فإن المعروف أيضا أن غطاء الذهب الذى نملكه قد ضاع بأكمله فى هذه الحرب الضائعة، وضاع معه أملنا فى تحسين حالنا!».
ولكنى شخصيا أعرف الكثير عن «مغامرة اليمن»، وكنت أثناءها ضابطا عاملا بالقضاء العسكرى بالقوات المسلحة، ومطلعا على حقائق وخبايا ما كان يجرى. فى سبتمبر عام 1962 وهو ليس شهر «سعد» الرئيس جمال عبدالناصر، اتخذ قرارا منفردا، بإرسال قوات مصرية إلى اليمن لمناصرة عبدالله السلال الذى أعطى نفسه بعدها رتبة المشير، فى انقلابه ضد الإمام سيف الإسلام البدر، وهو قرار على انفراده، قد افتقد مقوماته وأسبابه، سياسيا وعسكريا، أو هى على الأقل لم تناقش قبل صدور هذا القرار الانفرادى الخطير. ما هى أوضاع العالم، والأوضاع المحلية والمصالح الجارية أو المتحكمة فيها، والهدف السياسى الذى يمكن أن يكون مأمولا لمصر من خوض حرب على أرض وجبال بعيدة، والدفع بقواتنا المسلحة إلى هذه الحرب المهلكة على خطوط إمداد طويلة بعيدة بريا وبحريا وجويا، ولتحارب هناك المملكة المتوكلية ـ والسعودية، وبريطانيا والأردن، وأعباء هذه الحرب فى التموين والسلاح والعتاد والنفقات، فضلا عن الأرواح، ونقل القوات الضاربة التى تزايدت يوما بعد يوم بعيدا عن مكمن الخطر المتربص بنا على حدودنا الشرقية، وجر القوات المسلحة إلى ما أفقدها نظامها التدريبى وسط الجبال ووديان اليمن، وأعباء الرحلات الجوية والبرية الجارية يوميا ذهابا وإيابا لنقل القوات، وإخلاء الجرحى والموتى، وإجراء الاستعواض، وتسفير الجنود والضباط ـ وإعادة المنتهية مددهم، فضلا عن نقل القائمين بالإجازات والإياب منها، وأطنان الذهب التى تبذل للقبائل التى لم يجاوز الأستاذ توفيق الحكيم الحقيقة حين قال إنها كانت تستقبل الذهب الرنان نهارا، وتقتل ضباطنـا وجنودنـا ليـلا، وتنسق مع «الغادر» ـ وهذا لقبه ـ الذى يقود تلك القبائل فى حربها ضد مصر فى هذه الأراضى النائية التى لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكان من مآثر الملك فيصل ـ رحمه الله ـ أنه قبل فى مؤتمر الخرطوم إثر النكسة ـ رغـم التهديـد العلنـى التليفزيونى «بنتف دقنه» ـ ليس فقط بالدعم المالى الكبير الذى أعطاه لكل من مصر وسوريا لدعمهما فى هذه النكبة، بل قبل عودة قواتنا المسلحة فى سلام وبلا تحرش من اليمن لتنصرف إلى واجبها الأصيل فى تدارك الهزيمة الفادحة التى منينا بها بقرار انفرادى آخر أدى إلى مهرجان فى مايو ثم كارثة فى يونيو 1967.
ومع أن مصر كانت لديها دواعيها وأسبابها البالغة الأهمية لسحب قواتها العسكرية من اليمن، للدفاع عن البلاد إزاء الغزو والاحتلال الإسرائيلى، وفقدان ما فقدته القوات من أسلحة وعتاد طالت قوام الجيش، إلا أنها لاقت من اليمن الجمهورية التى تكبدت ما تكبدته للدفاع عنها جزاء سنمار، وإذ بعبدالله السلال يتهم الرئيس جمال عبدالناصر بالخيانة، فكان فى رد فعله أسوأ من رد فعل الملك فيصل الذى كان فى اشتباك مع مصر بسبب موقفها المؤازر للجمهورية اليمنية، فكانت المفارقة أن فيصل يدعم مصر لتتجاوز محنة الهزيمة، والسلال يتهمها ويتهم عبدالناصر بالخيانة، هى مفارقة تعكس مدى الخيبة التى لحقتنا بسبب إرسال جيشنا إلى اليمن، وتفريغ قواتنا الضاربة فى سيناء بمواجهة إسرائيل، من أكفأ قواتها التى كانت غائبة عن مصر تخوض فى تلك الجبال البعيدة معركة أخرى استقل الرئيس بتقرير خوضها وإرسال قواتنا العسكرية لتخوض حربا بخارج مصر.
لم يكن حسب هذه الحرب الضريرة ما ضاع من أموال هائلة، ولا الأرواح الغالية التى ضاعت، وإنما أدت إلى مثالب عديدة جرت عنها محاكمات عسكرية، هناك فى اليمن، وهنا فى مصر التى كنت شاهدا عليها فيها، ونحر ذلك كله فى الضبط والربط والنظام الذى اعتادته القوات المسلحة وتحيا عليه.
وغنى عن البيان، أن الانحسارات التى توالت، بفض الوحدة المصرية السورية، وما تتكبده مصر يوميا من أرواح وأموال فى اليمن، كانت الدافع الراقد وراء الأستار لمهرجان مايو 1967. وهو مهرجان لأنه دفع إلى رمال سيناء بجنود مستدعين من الاحتياط بلا لباس عسكرى ولا سلاح، ناهيك عن التدريب، ظنا أن ما حدث فى 1956 سوف يتكرر فى 1967، وأن الآخرين ما إن يروا هذه الحشود ـ الخاوية حقيقة ـ على رمال سيناء، إلا وسيبادرون بالتسليم، والمهم صرف الأنظار عن الانحسارات المتتالية وأخطرها النزيف المستمر لقواتنا وسلاحنا وأموالنا على جبال وفى وديان اليمن!.
والسؤال الذى لم يجب ولن يجيب عليه أحد، ما هو الحصاد الذى جنته مصـر من إقحامهـا بلا داع ولا مبرر فى هذه الحرب البعيدة؟!
هل ترك المصريون أثرا مقدرا من الشعب اليمنى والدولة اليمنية للتضحيات التى بذلتها مصر هناك، أم ترك ذلك رصيدا كثيفا غائما من العداوات التى أضمرها كثير من اليمنيين لمصر التى اقتحمت عليهم وطنهم، فضلا عن إفساد العلاقات بين مصر والسعودية، وما استهلك فى ذلك من أموال وأرواح وعتاد!.
ولأول مرة يعلم الشعب المصرى ـ بل ونعلم ونحن ضباط القوات المسلحة ـ أن إسرائيل أعطيت منذ سنة 1956 حق المرور فى مضايق تيران، وفوجئنا جميعا ـ وفوجئت مصر ـ بإعلان الرئيس جمال عبدالناصر فى مايو بإغلاق المضايق فى وجه الملاحة الإسرائيلية، ومن هنا علمنا أنها كانت مفتوحة مباحة دون أن ندرى، ومع أن هناك من حذر من أن إغلاق المضايق هو بمثابة إعلان للحرب، إلا أن الآذان صمت، وجرى الإعلان فى محفل عام فى حضور القائد العام الذى غالبه النعاس فى الجلسة العلنية فى المؤتمر الصحفى، بينما المهرجان جار على قدم المساواة بإرسال آلاف الجلاليب إلى سيناء بلا لباس ولا سلاح ولا عتاد!.
هذه هى «مغامرة اليمن» التى ضاعت فيها الأرواح والأموال وخسرنا فيها الجلد والسقط، وساقت إلى افتعال مهرجان مايو 1967 الذى انكشف لنا فيه أن مضايق تيران مفتوحة ـ دون أن ندرى ـ لإسرائيل منذ عام 1956.. هذا المهرجان الذى انقلب إلى كارثة محيقة بالهزيمة المرة فى حرب الأيام الستة فى يونيو 1967!!!.

التعليقات