هلمى معى من لبنان يا عروس - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 3:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

هلمى معى من لبنان يا عروس

نشر فى : الأربعاء 18 أغسطس 2021 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 19 أغسطس 2021 - 11:56 ص
يبدو لبنان اليوم وكأنه لوح من الثلج يذوب فى الشمس، جبل تتدحرج من أعلى قمته قطع الواحدة تلو الأخرى بعد أن تنفصل عن باقى البلد. هنا تقع قطعة اقتصاد، هنا تصدع يشرخ المجتمع، هنا يتدحرج القطاع الصحى فأسمع أصواتا من داخل مشافى بأسرها لم تعد تعمل. تصلنى استغاثة من أصدقائى وكأنهم فى حافلة انفصلت عن باقى القطار وها هى تتدحرج بسرعة نحو سفح الجبل بمن فيها. لبنان خرج تماما عن السيطرة حتى أنه بات من الصعب على أن أتخيل حياة يومية فى ظل كل ما أقرأه على شبكات التواصل الاجتماعى من توقف فى الخدمات الأساسية والتى هى أصلا خدمات لم تعد الدولة تقدم معظمها منذ سنوات.
•••
«لبنان يا قطعة من السما» لكن يبدو أن السماء قررت أن تغلف لبنان كمن يضعه فى كيس ويحكم إغلاقه فيختنق من بداخله.
اليوم يصارع لبنان الموت ويراقب كل من أحب هذا البلد سقوطه الحر وسط عجز أهله عن إنقاذه. ثلاثون عاما مضوا على نهاية حرب كانت قد دمرت «باريس الشرق الأوسط» حاول خلالها اللبنانيون النهوض ببلدهم فى قطاعات مختلفة أهمها بنظرى القطاع الثقافى والفنى بما أن لبنان كان ومازال البلد الوحيد فى المنطقة الذى يتمتع بمستوى معقول من حرية التعبير وفيه مساحة للإبداع تسمح بإنتاج مواد على عكس باقى المنطقة.
•••
فرغم تصدر لبنان عالم المصارف والعمليات المالية (بما فيها العمليات غير المشروعة أحيانا) فى المنطقة، إلا أن تفرده بصنع مادة ثقافية ملهمة لم ينافسه فيه أحد، حتى الدول التى فردت مساحة وإمكانيات مادية وإعلامية ودعائية ضخمة لتروج لمهرجانات وجوائز تشجع الفنون والثقافة. لم يأخذ أحد مكان لبنان فى الإبداع والإنتاج وفى القدرة على نفخ الحياة فى أجساد تفحمت بسبب الحرب والموت والفساد والعصابات.
•••
إلا أن الوضع هذه المرة مختلف، فالعالم مشغول بانهيارات أخرى، والعالم فقد الكثير من اهتمامه بلبنان بعد أن فقد القدرة على مساعدته، كما بات من الأسهل، على الأقل بشكل سطحى أن ينتقل مركز الإبداع والإنتاج إلى بلاد جديدة وغير مزعجة، بلاد فيها صالات عرض مكلفة وبإمكانها تنظيم حفلات ومهرجانات ذات طابع تجارى مكلف قد يعجب الكثيرين بما فيه من أنوار كتلك التى تضيء شجرة عيد الميلاد.
•••
هكذا إذا يختنق لبنان بمن فيه، رئتاه تنازعان من أجل بعض الأنفاس وأطرافه ترتعش خوفا من أن تتخشب. ليت البلد يتحول إلى سفينة كتلك التى أخذ نوح عليها أزواجا من الحيوانات إلى حياة جديدة وترك الأشرار وراءه على اليابسة. وأنا وغيرى ممن يحبون لبنان نقف فى غرفة الإنعاش عاجزين عن المساعدة فى غياب الطبيب وغياب الكهرباء ومع توقف الآلات عن العمل. نراقب البلد المريض تخرج منه الروح ببطء مؤلم، تزرق أطرافه وتفقد عيناه القدرة على التركيز. أنا وغيرى من محبى لبنان نترجاه أن يتماسك، نمسّد هذا الجسد المنهك ونوشوش كلمات الحب فى أذنيه ونطلب منه أن يبقى معنا ولا يرحل.
•••
لا بديل عن لبنان فى قلبى، رغم فساد السياسة ومكر التجار ولؤم زعماء الطوائف وتلاعبهم بمجتمعاتهم، فلا بلد آخر كان قادرا على خلق الفن والعلم والموسيقى فى مواجهة السياسة والارتهان للخارج كما فعل لبنان. أو ربما هم اللبنانيون من قرروا ذلك رغم أنف قياداتهم السياسية، كمن يراهن على الحياة من وسط قدر من الماء يغلى فوق النار.
•••
أردد مقولة علقت بذهنى منذ عقود حين درست النصوص الدينية المختلفة فى الجامعة ضمن مادة علم المجتمع: «هلمى معى من لبنان يا عروس، معى من لبنان». تساءلت كثيرا حينها عن إشارة صريحة كهذه فى العهد القديم عن بلد صغير لن يظهر فعليا سوى فى القرن العشرين! فى تفسير هذه الجملة المأخوذة من «سفر نشيد الإنشاد»، يبدو لبنان كمكان يخفى خطرا كبيرا تحت جماله، فحين يدعو العريس عروسه أن تترك لبنان بقوله «فبها خدور الأسود وبها نمور» فيقال إن النص يشير إلى الحروب والدمار تحت مظاهر الفرح والراحة ــ أوليس هذا هو فعلا لبنان، جمال وراحة تخفى آلاما وعنفا ومعارك؟
•••
قرأت نشيد الإنشاد فى سنة دراستى الجامعية الأولى فى بيروت بعد انتهاء الحرب وقبل استعادة البلد لاستقرارها واستغربت كيف شبه النص المقدس لبنان بالغواية. نظرت حولى ورأيت الدمار والجمال متلازمين كالحياة والموت فى بلد صغير ككف اليد فيه من الأسرار ما فى مغارات من مغارة على بابا. تجولت حينها فى أسواق بيروت الشهيرة أو بالأحرى وسط دمار كان يوما أسواق كتب عنها المؤرخون والشعراء وتساءلت إن كان ثمة خلاص ممكن أمام هذا الكم الهائل من الألم.
•••
اليوم يستنجد لبنان ويرحل عنه أهله بينما يعود النص المقدس الذى اكتشفته فى بداية علاقتى مع بيروت يدور فى رأسى خصوصا حين يقول: «قد تكون حفنة بر فى الأرض فى رءوس الجبال، تتمايل مثل لبنان ثمرتها ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض».
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات