الفيسبوك والحقيقة - عماد عبداللطيف - بوابة الشروق
الإثنين 21 يونيو 2021 2:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

الفيسبوك والحقيقة

نشر فى : الثلاثاء 18 مايو 2021 - 8:05 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 مايو 2021 - 8:05 م
فى رواية (1984) لجورج أورويل شخصية لم تحظ بنصيب كبير من الشهرة هى شخصية (سيمى Syme). يعمل سيمى فى وزارة «الحقيقة»، مع بطل الرواية ونستون. وظيفته الأساسية هى إخفاء الحقيقة وتشويهها. يعمل سيمى على وضع قاموس للغة الإنجليزية هدفه جعل التفكير المنطقى مستحيلا، حتى يتمكن النظام المستبد الذى يحكم الدولة الخيالية فى الرواية من البقاء. الفكرة الأساسية لسيمى هى أن اللغة أداة التفكير، فإذا أردت تدمير التفكير عليك البدء بتدمير اللغة. ولكى يدمر اللغة كان على سيمى أن يضع خطة شاملة هدفها القضاء على الكثير من الكلمات، وإفراغ القلة القليلة المتبقية من معناها؛ كى يعجز البشر عن وصف الواقع، وعن إنتاج الأفكار، فيستسلمون للطغيان.
ربما لا يوجد فى تاريخ البشرية رواية تضاهى (1984) فى مصيرها البشع؛ فقد تحققت معظم الأحداث السوداوية التى روتها. وفى حين ظن من عاصروا نشر الرواية عام 1948 أنها تبالغ فى التشاؤم من المستقبل، ندرك الآن أنها لم تكن سوى نبوءة مؤكدة. وككل نبوءة تتحقق أحداثها شيئا فشيئا بمرور الأعوام. وفى الأيام الأخيرة جرى تحقق جزء من أبشع أحداث رواية (1984) على يد فيسبوك وإنستجرام، يخص تحديدا مسعى سيمى لسلب البشر حريتهم، بواسطة القضاء على الكلمات. ففى رواية (1984) يبرهن سيمى على أنك ستكون غير قادر على إدراك الشىء إن لم تكن قادرا على تسميته. فإذا سلبنا منك الاسم، لم يعد هناك وجود للمسمى. وهذا بالضبط ما أقدم فيسبوك وإنستجرام على فعله هذه الأيام.
***
بدأت وقائع تحقق ديستوبيا أورويل خلال الساعات التالية على محاولة إسرائيل تهجير سكان حى الشيخ جراح. فقد ذكر بعض مستخدمى/ات فيسبوك أن المنشورات التى يكتبونها تنديدا بالتهجير لا تُنشَر، لا سيما إذا تضمنت كلمات مثل (المقاومة)، أو (إسرائيل). وتكرر الأمر نفسه فى إنستجرام الذى تملكه شركة فيسبوك أيضا، فحين تُنشر صور تصف الفظائع التى تعرض لها الفلسطينيون/ات من اعتقال، أو جرح، يطمسها إنستجرام. نتيجة لذلك، لم يعد بعض مستخدمى/ات المنصتين قادرين على استعمال مفردات تصف واقع الحال فى القدس، أو نشر صور دقيقة له. ودفع هذا الحجب بعض مستخدمى/ات فيسبوك إلى استعمال تقنيات لغوية للتحايل عليه، مثل كتابة الكلمات بطريقة لا يمكن للحاسوب التعرف عليها، فيكتبون كلمة مقاومة (مقا.و.مة) أو (مقاــومة).
يُشكل ما قامت به منصة فيسبوك حدثا غير مسبوق فيما أعلم. فالكلمات السابقة لا تُصنَّف بأى شكل من الأشكال ضمن الكلمات التى تمارس تمييزا أو عنصرية أو كراهية. فكلمة (المقاومة) من المفردات الأساسية فى العلوم السياسية والفيزياء والطب. وقد تضمنت مواثيق الأمم المتحدة قوانين مهمة تدعم حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال فى تحرير أراضيها بكل السبل. والأدبيات الإنسانية على مدى آلاف السنين تُمجد حق مقاومة الشعوب المحتَلة لمن يحتلها، وتمجد قدرتها على تحرير أوطانها. فليس فى الكلمة أية حساسية تستدعى الحيلولة دون ظهورها، إلا إذا كانت الغاية هى إخفاء الحقيقة. وإذا كانت تلك هى الغاية، فإن ما قام به فيسبوك ليس إلا تجسيدا للعالم الفاسد الذى صورته رواية أورويل.
يهدف فيسبوك من منع استعمال كلمة (مقاومة) ومثيلاتها ــ إن كان مقصودا ــ شلَ قدرة البشر على إدراك الواقع بشكل صحيح، بواسطة حرمانهم من استعمال الكلمات دقيقة الدلالة عليه. فمستعملة أو مستعمل اللغة الذى يرى منشوره محذوفا بسبب كلمة دقيقة بريئة، إما سيسعى لاختيار كلمة أخرى أقل دلالة، أو سيلغى فكرة كتابة المنشور، أو سينشره فى منصة أخرى أقل قدرة فى الوصول إلى المتلقين. والنتيجة فى الأحوال كلها هى إخفاء الحقيقة أو تشويهها. والرابح فى الأحوال جميعا هو المحتل الغاصب الذى يسعى لفرض الصمت على احتلاله وجرائمه، والحيلولة دون وصفها، ومن ثمَ دون نقدها.
ليس أقل خطرا من الحيلولة دون استعمال الكلمات الدقيقة فى وصف الواقع إلا طمس صور الواقع نفسه، وهى الوظيفة التى يقوم بها إنستجرام الآن. فقد لاحظ بعض المستخدمين/ات أن إنستجرام يطمس صور الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطينى بدعوى أنها تقدم محتوى حساسا. تبدو حجة طمس صور بسبب حساسيتها أمرا مقبولا، حماية لمشاعر من قد يتأذون من رؤيتها. لكن هذه الحجة قد يُساء استعمالها لطمس الواقع بدعوى حساسيته، فتختفى صور الدمار والإيذاء الجسدى الذى تقوم به قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطينى. هذه الصور أدلة ووثائق تسجل جرائم ضد شعب محتل، وإخفاؤها عن عيون مستخدمي/ات إنستجرام، إخفاء للأدلة التى تثبت وقوع الجريمة نفسها.
***
يبدو أننا نعيش عالما أورويليا بامتياز، تقوم فيه شركات التواصل الاجتماعى العملاقة بدور الأخ الأكبر فى رواية كابوسية تدور وقائعها عام 2021؛ فهى تسعى للسيطرة على عقول البشر وسلوكياتهم بواسطة مزيج من التلاعب والقهر. فإن لم تُفلح فى دفع المستخدم/ة إلى استعمال كلمات تشوه الواقع وتحجبه، تقوم بحجبه، وتحول بينه وبين السيطرة على صفحته. والنتيجة هى تحول «وسائط التواصل» إلى «وسائط لتشويه التواصل»، وظهور شكل جديد من أشكال معاداة الحقيقة، لم يعد يمارسها فرد واحد مثل سيمى، بل شركات كاملة أنشئت تحت ستار الدفاع عن هذه الحقيقة نفسها. وتلك مشابهة أخرى مع «وزارة الحقيقة» فى رواية أورويل.
لقد كتب أورويل روايته لتحذير البشر من عالم سوداوى يفقدون فيه حرياتهم، وإنسانيتهم. كان هدفه شحذ الهمم للحيلولة دون تحقق نبوءته، وما زال الأمل معقودا أن يتمكن أنصار الحقيقة من مقاومة المتلاعبين بها، عسى أن نحول دون ذلك.
عماد عبداللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب
التعليقات