المكان كله محاصر - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 2:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

المكان كله محاصر

نشر فى : الأحد 18 مايو 2014 - 5:00 ص | آخر تحديث : الأحد 18 مايو 2014 - 5:00 ص

من بيت دمشقى عتيق، إلى شقة متهالكة بأحد أحياء القاهرة الفقيرة، إلى أخرى أفخم بكثير فى طهران.. نتجول بين هذه المدن الثلاث من خلال ثلاثة أفلام لمخرجين مختلفين تماما أتوا إلينا عبر شاشة السينما ليعكسوا هموما متشابهة وأحلاما محبطة وخيبات صارت من العلامات المميزة للشرق الأوسط. أتحدث عن «سلم إلى دمشق» للسورى محمد ملص، و«الخروج للنهار» للمخرجة المصرية هالة لطفى، و«هذا ليس فيلما» للإيرانى جعفر بناهى.. فقد تصادف عرضهم بوسط القاهرة فى أسبوع واحد، وتصادف تصويرهم خلال السنوات الأخيرة: فيلم ملص فى 2013، وهالة لطفى قبله بعام، أما بناهى ففى 2011.

•••

البيت قد تحول إلى سجن، وكذلك البلد.. سجن أكبر. وبالتالى تصبح النافذة أو الشرفة هى طاقة الحرية الوحيدة بظلالها وسقوط الضوء عليها ومراقبة المشهد من أعلى. الأحداث تدور فى القاهرة أو دمشق أو طهران. واحد. كل الأبطال أسرى أماكن مغلقة، وغياب المشاهد الخارجية أو قلتها يدعم فكرة الحصار الداخلى، وهو الأساس فى معاناة شخصيات الأفلام الثلاثة. «القضبان تفنى عمرها واقفة»، كما يقول أحدهم فى شريط ملص، حتى بوابة المقابر فى بداية الفيلم كانت مغلقة بالقفل، وظل الممثل يصرخ بعلو صوته حتى فتحت، ليضع باقة من الزهور على قبر المخرج السورى الراحل عمر أميرالى موجها كلامه إليه: «طوفان يا عمر!». أما مشهد النهاية فى فيلم هالة لطفى فقد اختتمته البطلة الشابة بتساؤل حول مكان مقابر الأسرة لكى يدفنوا الأب، وصمت الأم يشى أنه ليس لهما مكانا فى عالم الأموات كما فى الحياة الدنيا.. فهما تعيشان فى ضيق خانق، تدوران فى فلك رب العائلة، الميت ــ الحى، وفى دائرة الفقر والجهل والمرض.

•••

لا أمل فى شىء.. لكن جعفر بناهى يحاول فك الحصار رغم كونه حبيس بيته بمقتضى حكم المحكمة التى ألزمته بفترة سجن فى المنزل مدتها ست سنوات وعدم مغادرة البلاد أو ممارسة مهنته أو الإدلاء بأحاديث صحفية لمدة عشرين سنة. وذلك لأنه كان يحضر لفيلم عن الحركات الاحتجاجية فى يونيو 2009، عند إعادة انتخاب أحمدى نجاد. وبما أنه حبيس المنزل، فقد قرر أن يصور فيلما يسجل فيه حياته بين جدران شقته: يتحدث عن أفلامه السابقة ويقرأ مقتطفات من السيناريو الممنوع ويهاتف محاميته ويتحدث مطولا إلى الحارس الشاب الذى طرق بابه لجمع القمامة، بل ويصطحبه داخل المصعد من طابق لآخر.. الأحداث تسير ببطء تماما مثل سحلية الإغوانا الضخمة التى تزحف فى البيت.. ملل ورتابة يتخللهما أصوات الصواريخ والشماريخ فى الشارع والتى يتابعها من خلال شرفته الرائعة. قرر الناس الاحتفال بعيد النار الوثنى، رغم تحذيرات الشرطة، وذلك بالقفز فوق بؤر النيران الصغيرة وإشعال الصواريخ.. نسمع الفرقعات من وقت لآخر، لكن فى آخر مشهد نرى قضبان البوابة الحديدية وفى الخلفية إطارات النيران المشتعلة: هل ستأتى الحرية يوما؟

•••

لا أحد يستطيع التكهن أو القطع بذلك، فكل تمرد يتحول فى هذه المنطقة إلى فتنة، وبعض الثورات تقوم على أجساد وجثث الآخرين، كما يوضح محمد ملص فى فيلمه حيث نسمع عن الأزمة السورية لكن لا نراها، فلا مجال للبيوت المهدمة وصور الضحايا التى نطالعها فى الأخبار.. هنا كل التركيز منصب على ناس يحاولون العيش فى ظل تداعيات الأزمة. شباب يسكنون بيت «أم سامى» القديم، ويعمل معظمهم بالفن، ملاذهم الأخير، ويمثلون كل أطياف المجتمع السورى: من حمص، من طرطوس، من اللاذقية، من الجولان.. فى لحظة قد يظهر الألم الذى يختزنه هؤلاء على السطح، رغم قصص الحب.. ينظر المخرج إلى دواخلهم ويعبر عن انكسارات جيله أيضا، جيل كان بيحلم بتحرير فلسطين والوطن العربى كله وامتلأ بالحماسة، لكن الحلم انتهى، و«المنقذ عايز إنقاذ». يصعد أحد الشباب إلى أعلى المنزل ومعه سلم خشبى.. ربما يصل صوته إلى الله، حين يصرخ حرية.. نفس ما تبتغيه بطلة «الخروج للنهار»، رغم أن الرمزية والجرعة السياسية المباشرة أقل بكثير من فيلم ملص، فهى تتوق قطعا إلى الحرية وإلى حياة آدمية تحفظ لها حقوقها.. الفتاة التى تعيش مع أمها حبيسة المنزل أغلب الأحيان لرعاية أبوها القعيد، تمضى أوقاتها بين تضميد الجراح وقرح الفراش وغسل الملاءات.. لا وقت للحب ولا خلافه، حتى لو راودها حلم الخروج للنهار، وتجولت بين مقام سيدنا الحسين وحضرة صوفية.. عالمها لا يزال مغلقا.. المنطقة بأسرها تحت الحصار. نتقاسم جميعا الغرف الضيقة نفسها والخيبات ذاتها. نطل من الشباك كمتفرجين. والقضبان تفنى عمرها واقفة.

التعليقات