«البروفيسور والمجنون».. شخصيات تجد معناها! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 10:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«البروفيسور والمجنون».. شخصيات تجد معناها!

نشر فى : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م

فى هذا الفيلم طاقة حب هائلة للإنسان؛ عقلا وعاطفة وضميرا، وفيه تحية للجهد والعمل والمثابرة، وتحية لصداقة بين اثنين مختلفين تماما، كما أن الحكاية، من قبل ومن بعد، عن البحث عن معنى للكلمات، وعن معنى لحياتنا نفسها، رغم كل الظروف والآلام والمتاعب.

«البروفيسور والمجنون»، الذى أخرجه، واشترك فى كتابته، بى شيمران، مأخوذ عن قصة حقيقية غريبة للغاية: ففى العام 1872، بدأ جيمس موراى، وهو عالم اسكتلندى، فى تحقيق وجمع مفردات «قاموس أكسفورد» الشهير للغة الإنجليزية، مشروع ضخم احتاج الاستعانة بمتطوعين يرسلون إلى موراى ومساعديه، آلاف الكلمات، مشفوعة بمعانيها، وتاريخ ظهور الكلمة، أو اختفائها، وأصلها وفصلها.

كانت المساهمة المميزة التى وصلت إلى حد المشاركة الفعلية فى القاموس، من نصيب ضابط وطبيب أمريكى يدعى د. ويليام شيستر ماينور، مضطرب العقل، والمحتجز فى مصحة، إثر قيامه بقتل شخص، تحت ضغط هلاوس بصرية مدمرة!

الحكاية كلها محورها هذه المفارقة العجيبة: عمل عقلانى دقيق ومنهجى، يشارك فيه رجل بعيد عن العقل، بل إنه يعانى من ثورات عنيفة، قد تدفعه إلى القتل، لدينا طرفان: أحدهما يمثل العقل المنظم، والثانى يمثل العقل المضطرب، الطرف الأول هادئ ومتزن، والطرف الثانى أبعد ما يكون عن ذلك.
المدهش أن الطرفين سيجدان مساحة للتلاقى؛ لأنهما يمتلكان عواطف قوية، وضمائر يقظة، هما أيضا يريدان أن يحققا شيئا بالكتابة وجمع الألفاظ: البروفيسور الذى جاء من أسرة متواضعة، والذى لا يحمل شهادات، يريد أن يتمسك بفرصة القاموس تأكيدا لقدراته، والأمريكى الذى تطارده الهلاوس السمعية والبصرية، يتمسك بفرصة تسجيل الكلمات؛ لأنها تجعله يطرد هذه الهلاوس.

ضمير جيمس موراى سيجعله مصرا على أن يعطى ماينور حقه، إلى درجة محاولة تسجيل اسم صديقه المختل على القاموس، كما أن موراى سيبذل مجهودا للإفراج عن ماينور، وضمير ماينور اليقظ سيشعره بالذنب تجاه أرملة الرجل الذى قتله، وهو تحت تأثير الهلاوس، بل إنه سيمنح معاشه كله للأرملة، ولأطفالها الستة.

الإنسان كما يقدمه الفيلم كائن عظيم، سواء فى دأبه ومثابرته، أو فى البحث عن الكمال فى القاموس المطلوب، أو حتى فى صراعه مع المرض العقلى الخطير، وهو أيضا كائن عظيم فى تسامحه، كما فعلت الأرملة مع ماينور، بل إنها وقعت فى النهاية فى حبه.

إنجاز «قاموس إكسفورد» فى قلب الحكاية وتفاصيلها، ولكن المعنى يتجاوز كل ذلك، تصبح الرحلة محاولة لاكتشاف معنى الحب، ومعنى الصداقة، ومعنى تحقيق الذات، ومعنى وأهمية التكفير عن الذنب، يبدو الضابط الطبيب نصف عاقل بإحساسه بالمسئولية، وبمساعدة أرملة ضحيته على التعلم، وبحصيلته الثقافية والمعرفية الممتازة، بينما يبدو البروفيسور أحيانا نصف مجنون، بإصراره على إنجاز مشروع ضخم، يحتاج إلى سنوات طويلة، ويصفه المتخصصون بالعمل المستحيل، بالفعل فقد توفى البروفيسور، وأكمل آخرون العمل، بعد سبعين عاما من تاريخ البدء فيه.

عظمة الإنسان تعمل فى اتجاه المجنون والبروفيسور معا: العمل والضمير اليقظ رغم المرض العقلى، والعمل والمثابرة رغم الانتقادات والمنافسات من الزملاء، العقل، أو ما تبقى منه، هو الملجأ والملاذ، وهو وحده الذى يمنح الأشياء معناها، ويحفظ اللغة فى كتبها، وينقذ الفرد من أن يكون وحشا، أو مهمشا، أو بلا ذكر أو هدف أو أهمية.

شون بن فى دور الطبيب والضابط الأمريكى المختل يقدم هنا أحد أفضل أدواره، الشخصية تقاوم وتعانى طوال الوقت، نظراته حزينة ومنكسرة، حتى وهو يعمل أو يرسم، وعندما يحب أرملة ضحيته، يقاوم أيضا هذا الشعور، الذى يزيد عذابه، وكأنه قتل الرجل مرة أخرى بحب زوجته، هذه الروح المعذبة تثير تعاطفنا تماما، ميل جيبسون فى دور البروفيسور كان جيدا، هو شخص نبيل بالأساس، ولذلك سيعتبر المجنون صديقا له، وسيدافع عنه، حتى النهاية.

«البروفيسور والمجنون» يقول إن الإنسان يستطيع أن يفعل المستحيل، نصف العقل يعوضه الضمير اليقظ، والمأساة يعوضها الحب، والشهادات يعوضها العمل والجهد، والشخوص الهائمة ستجد حتما معناها فى قاموس الحياة، مثلما وجدت الكلمات معناها فى «قاموس أكسفورد».

التعليقات