اقتصاديات اللقاحات - مدحت نافع - بوابة الشروق
السبت 6 مارس 2021 4:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

اقتصاديات اللقاحات

نشر فى : الإثنين 18 يناير 2021 - 8:35 م | آخر تحديث : الإثنين 18 يناير 2021 - 8:35 م

نعم عزيزى القارئ كما أخبرتك من قبل، هناك «اقتصاديات» لكل شىء حتى اللقاحات. عادة ما يكون تنفيذ برامج أو استراتيجيات التطعيم باللقاحات الجديدة عملية مكلفة للغاية، تمتد آثارها طويلا لما بعد الانتهاء من التطبيق المباشر للبرنامج. بمجرد أن تبدأ عملية التطعيم الشامل لقطاع واسع من السكان، فإنه لا يمكن إيقافها، احتراما لاعتبارات العدالة، وتحقيقا للنفع الأكبر من العملية. ولتحقيق فهم أفضل للأثر المحتمل لبرامج التطعيم ضد الفيروسات على الصحة العامة، وتكاليف توفير اللقاح، عكف عدد من الاقتصاديين على استخدام نماذج التقييم الصحية ــ الاقتصادية، والتى تحاول الوقوف على الأثر المستقبلى لانتشار التطعيم على كل من العوائد والتكاليف الصحية.
عادة ما يتم تقديم نماذج التقييم الصحية ــ الاقتصادية كأحد أنواع التحليل الأربعة التالية: تخفيض التكاليف، والتكلفة والعائد، وفعالية التكلفة، وتحليل التكلفة والمنفعة. قدّم الاقتصاديان J. Bos. M. Postma (من جامعة Groningen بهولندا) فى فصل نشر لهما عام 2010 بعنوان «الاقتصاديات واللقاحات» تحليلا لفاعلية أبرز برامج التطعيم، وخاصة تلك المنتشرة ضد الأمراض العنقودية للأطفال، وتطعيم المسنين ضد الأنفلونزا، ليخلص التحليل إلى أن البرنامجين من بين أكثر التدخلات الطبية فعالية من حيث التكلفة فى العالم.
فى التقييمات الاقتصادية لبرامج الرعاية الصحية، ترتبط التكاليف الصافية بالمكاسب الصحية، ويتم التعبير عنها كنسبة مثل «نسبة فعالية التكلفة» إلى «صافى التكاليف لكل سنة من الحياة المكتسبة». تقدّر التكاليف الصافية عن طريق طرح «الوفر فى تكاليف علاج الأمراض المعدية التى تم تجنبها» من «تكاليف اللقاحات» و«تكاليف الاستثمار فى الإدارة والبنية التحتية» اللازمة لعملية التطعيم. بالتأكيد يتم تصحيح كل من التكاليف والمكاسب الصحية لوقت حدوثها باستخدام معدل خصم سنوى مناسب.
***
يتميز التدخل باللقاحات على غيره من صور التدخل فى مجال الصحة العامة بالمميزات التالية: أولا الطابع الوقائى: على الرغم من تطوير اللقاحات العلاجية ضد أنواع معينة من السرطان (على سبيل المثال)، يتم نشر معظم اللقاحات كوسيلة وقائية ضد الأمراض المعدية: مثل التهاب الكبد B وHPV، وهى أمراض لها تأثير سلبى طويل الأجل على صحة الإنسان، مما قد يشكل تحديًا كبيرا أمام المحللين الاقتصاديين. ثانيا اتساع نطاق التأثير، وبالتالى تأثير ضخم على الموازنة العامة للدولة، وميزانية الأسرة، وبدائل تخصيص الموارد المالية... فى حين أن التقييمات الاقتصادية لسائر المستحضرات الطبية الأخرى غالبا ما تتم على مستوى الأفراد أو التجمعات السكانية الصغيرة. ثالثا استهداف الأوبئة والأمراض المعدية، تستهدف معظم اللقاحات أمراضًا معدية محددة. نظرًا للطبيعة المعدية للعوامل المسببة للمرض، يجب أيضًا أن يتضمن النموذج جميع الآثار غير المباشرة لإزالة مصدر العدوى، على أولئك الذين لم يتم تطعيمهم. علما بأن التدخل ضد مرض معدٍ يخضع تدريجيا لقانون تناقص العائدات الحدية، لأن مزيدا من انتشار السكان المطعمّين ضد المرض، يحدث نوعا من مناعة القطيع المكتسبة. رابعا الفجوة الزمنية بين تكاليف اللقاح والفوائد المتوقعة منه، وقد يكون لاستخدام معدلات الخصم المتساوية للتكاليف والآثار الصحية، تأثير كبير على نسبة فعالية تكلفة اللقاح فى نماذج التحليل.
تستخدم دراسات تحليل «فعالية التكلفة» لبرامج التطعيم باللقاحات، نموذج انتقال ثابت أو ديناميكى للأمراض. يكمن الفرق بين النموذج الساكن أو الديناميكى فى افتراض قيمة قوة الإصابة بالعدوى. يفترض النموذج الثابت أن قوة العدوى ثابتة، بينما فى نموذج النقل الديناميكى تكون قوة العدوى دالة فى عدد الأفراد المصابين بالعدوى من السكان، حيث يؤخذ فى الاعتبار تأثيرات مناعة القطيع للتلقيح الشامل، على قوة انتشار العدوى. ولك أن تتخيل عزيزى القارئ مدى التعقيد الذى يواجه الباحث وهو يضع الكثير من الافتراضات الخاصة بالأثر الديناميكى (المتغير) لعملية التطعيم على عدد كبير جدا من السكان، وقدرة تلك الافتراضات على توجيه صانع القرار يمينا أو يسارا وفقا لتأثيرها فى نتيجة النموذج. ولمزيد من التوضيح لو أن الباحث افترض أثرا محدودا غير واقعى لمناعة القطيع فإن تكلفة عملية التطعيم ترتفع بشكل كبير، بحيث لا تغطى عوائدها الكلية وتقتصر فقط على العائد المباشر المنظور.
***
كثيرًا ما يشار إلى الإنفلونزا على أنها «آخر وباء كبير غير خاضع للسيطرة للبشرية»، وذلك حتى من قبل ظهور جائحة كوفيدــ19، حيث يتعرض كبار السن لخطر الإصابة بمضاعفات الإنفلونزا، التى تتطلب رعاية صحية معقدة، وقد تؤدى إلى الوفاة. بحلول عام 1997 كان لدى جميع دول الاتحاد الأوروبى، باستثناء ثلاث دول، برامج تطعيم شاملة للمواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا. فى دراسة سابقة لأحد المؤلفين المشار إليهما فى المقال، تم تقييم أثر برامج تطعيم كبار السن ضد الإنفلونزا فى عدد من البلدان المتقدمة، وتبيّن أن فوائد التطعيم ضد الإنفلونزا للمسنين تفوق التكاليف المرتبطة بالبرنامج فى معظم الحالات، وأن فوائد التطعيم ضد الإنفلونزا بين كبار السن المصابين بأمراض مزمنة، تفوق التكلفة بشكل عام.
كذلك تم إجراء عدد من الدراسات حول فعالية تكلفة التطعيم ضد الإنفلونزا للأصحّاء البالغين العاملين، وقد خلصت معظمها إلى فعالية تكلفة التطعيم فى تلك الفئة أيضا، خاصة إذا أخذت عوامل كثيرة فى الاعتبار، منها فقد الوظائف الناتج عن انتشار العدوى. كما قدمت بعض الدراسات تحليلا لكفاءة تكلفة تطعيم أطقم الرعاية الصحية لحماية المرضى المعرضين لخطر الإصابة، وقدّرت دراسة أجراها Burls وآخرون عام 2006 أن تطعيم العاملين فى مجال الرعاية الصحية يمثّل تدخلا فعّالا من حيث التكلفة.
إذن تمتد فوائد معظم اللقاحات إلى ما وراء المستفيد المباشر، لتشمل السكان غير الملقّحين الذين يكتسبون تلقائيا ما يعرف بمناعة القطيع. كذلك من المحتمل تأخر العائد من اللقاح إلى مرحلة عمرية متأخرة لا يسع النموذج الاقتصادى رصدها على المبحوثين فى وقت توزيع اللقاح. بشكل عام يساعد تحليل فعالية التكلفة، وغيره من أدوات التحليل الاقتصادى فى المجال الصحى، صانع القرار على فهم تداعيات برامج التطعيم، بحيث تحقق أفضل قيمة ممكنة مقابل النقود، فى ضوء نسق الأولويات الذى ينتج عنه تعظيم المنفعة العامة للسكان.
وعلى الرغم من أن دراسات فعالية التكلفة حساسة للغاية للتغيرات فى افتراضات النماذج القياسية، إلا أنها تخدم غرضًا واضحًا فى إظهار تأثير هذه التغييرات لصناع القرار. وتجدر الإشارة إلى أن معظم تدخلات التطعيم باللقاحات قبل حقبة التسعينيات قد تم تنفيذها فى منأى عن الدراسات الاقتصادية الصحية، ومع ذلك هناك دلائل على أن التقييمات الاقتصادية يتم استخدامها بشكل متزايد، للإرشاد حول ما إذا كان سيتم تنفيذ برنامج تطعيم جديد أم لا. وقد وجد Welte وآخرون (2005) أن البيانات الاقتصادية الصحية قد لعبت دورًا فى اتخاذ قرار بدء برامج التطعيم الوطنية ضد عدوى المكورات السحائية C، ووجد علاقة واضحة بين زيادة معدلات الإصابة بالعدوى والتكليف بإجراء دراسة اقتصادية صحية عن التطعيم. يشير هذا إلى أن الدراسات الاقتصادية الصحية بدأت تلعب دورًا أكثر أهمية فى اتخاذ القرار بشأن تطبيق برامج التطعيم الجديدة. لكن بالتأكيد يظل العامل الاقتصادى ركنا واحدا فقط من أركان اتخاذ القرار بنشر برامج التطعيم، ولا يجوز أن يطغى على العوامل الإنسانية الأخرى.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات