الساحرة الشريرة - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 12:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

الساحرة الشريرة

نشر فى : الأحد 18 يناير 2015 - 7:50 ص | آخر تحديث : الأحد 18 يناير 2015 - 7:50 ص

شعر أبيض كث، عينين ضيقتان، ملابس سوداء، ومقشة الساحرات التقليدية التى تسمح لهن بالطيران ليلا، ذهابا وإيابا، لممارسة طقوس خاصة فى الغابة بمعية الشيطان، هكذا تظهر الممثلة القديرة ميريل ستريب فى فيلمها الكوميدى ــ الغنائى الأخير «فى الغابة» أو (Into the woods) للمخرج روب مارشال، صاحب فيلمى «شيكاغو» و«قراصنة الكاريبى». تمتزج عدة حواديت عرفناها جميعا فى طفولتنا مثل سندريلا وذات الرداء الأحمر داخل قصة الخباز وزوجته اللذين يحلمان بالعيش فى سعادة وإنجاب طفل، لكن هناك من يلجأ إلى السحر والشعوذة ليعكر صفو حياتهما، فيذهبان بدورهما لطلب مساعدة إحدى الساحرات ــ ميريل ستريب. كالعادة أو كما عرفناها فى الحكايات هى عجوز شمطاء حقود تريد استعادة الشباب والعمر الذى مضى على حساب الآخرين، قادرة على إلحاق الأذى بمجرد النطق ببعض الكلمات التى تجيدها فهى ذات خبرة فى الرجال والنساء... لذا تصور الساحرة الشريرة دوما فى هيئة سيدة عجوز، لأن عنصر الزمن والخبرات الحياتية، ضرورة فى حالتها.

الرغبات وتناقضات البشر والغيرة وخلافه، هى هى كأفلام الكارتون وحواديت الطفولة... نعيش فى الغابة حيث سائر المخلوقات، وعندما نتلفت حولنا تطالعنا الكثير من العيون والسحنات التى تقترب شكلا وموضوعا من ساحرة الأفلام الشريرة... انظر حولك، ستتعرف على الأقل على واحدة منهن، وتضحك لأن الشبه واضح وكل ما ينقصها ــ فى الواقع ــ هو «المقشة» الخشب الشهيرة التى لم نعد نراها فى وجود المكانس الكهربية.

•••

أتوقف قليلا عند شخصية الساحرة الشريرة كما ظهرت فى المخيلة، وعند دورها التاريخى فى تطور الأشياء، وكيف تمت مطاردة الساحرات فى أوروبا ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر لظروف وملابسات دينية وسياسية معينة، ثم لماذا ظهرن بشكل مختلف فى العصور الحديثة وأصبح لهن بيزنس رائج مع وسائل التواصل الإلكترونية من خلال مواقع الدردشة حول الأبراج والطالع أو رسائل المحمول، إلى ما غير ذلك.

كراهية وحقد ورغبة فى التملك والتكسب والانتقام ويأس.. قبيحة أحيانا، فهى صديقة الشيطان، رأسها وعيناها كقط برى خبيث، هذا هو الوصف التقليدى لشخصية الساحرة الشريرة. تقول الكتب القديمة أيضا إنها تهوى الرجال خاصة المتزوجين منهم، شهوانية... فخلال الطقوس الليلية التى تمارس فى الغابة ترتكب كل أنواع الموبقات. ويحكى أيضا أنه للتعرف على الساحرات أمام هيئة المحكمة فى فترة الملاحقات منذ سنة 1580ــ حين تم حرق الآلاف منهن فى أوروبا ــ كانت تنزع ملابس المتهمة للبحث عن علامات الشيطان على جسدها: قطع غائر على الصدر كأثر عملية جراحية إلى ما غير ذلك، وكان يتم وخزها بإبرة فلا تنزف دما ولا تشعر بألم، حينها تعلن مذنبة ويتم الحكم عليها بالحرق. ونظرا لضخامة العدد الذى حكم عليه، من 50 إلى مائة ألف أو أكثر وفقا للتقديرات، فقد ساق البعض خاصة فى أوساط اليسار والحركات النسوية، تبريرات مختلفة لمطاردة من اعتبرن ساحرات، بالنسبة لهؤلاء كانت هذه وسيلة لمطاردة كل من اختلفن عن النسق العام وخرجن عن القوالب التقليدية، سواء لأن لديهن قدرات خاصة أو لأنهن غريبات الأطوار... إذ تم ملاحقة بعض الرجال ضمن «المتمردين الذين يعيشون على هامش القرى والمدن» لكن 80% من المحكوم عليهم بالحرق كانوا نساء وغالبا غير متزوجات.

•••

ليس من قبيل المصادفة أن تتزامن ملاحقة «الساحرات» فى أوروبا مع الحروب الدينية والصراعات ما بين الكاثوليك والبروتستانت والمجاعات والأوبئة التى سبقت إرهاصات عصر النهضة، وكأن العنف والتقدم هما وجهان لعملة واحدة... أو كأنه لابد من أعمال بربرية للوصول إلى مرحلة أكثر تحضرا، فلا مجال للشعوذة وحرق الساحرات مع حكم لويس الرابع عشر فى فرنسا وحركة التنوير، لذا كان لابد أن تمر هذه الأحداث بكل ما فيها من تفاصيل لوذعية قبل أن يأتى عصر النهضة. كانت هذه الأحداث إشارات لعملية تحول مجتمعى، لانتقال من العدالة الشعبية إلى سلطة أكثر مركزية بمنظومة قيم جديدة تم الإعلان عنها مع بدايات القرن الثامن عشر. وكانت ملاحقة الساحرات مثالا على ذلك التغيير وعلى رفض قيم المجتمع الريفى وخزعبلاته. وصار مع الوقت تعبير «ملاحقة الساحرات» يستخدم للدلالة على خلق خطر وهمى أو خوف غير عقلانى من شىء ما لحشد الناس فى إطار عملية بروباجندا ممنهجة تدار على النمط السوفيتى.

يثار الذعر من «مقشة» الساحرة الشريرة التى تركتها معلقة إلى جوار باب المنزل، فينشغل العامة بإبطال أثرها... أو يهرعون إلى سحرة آخرين لهم أساليبهم فى التعامل مع الواقع والطالع والغيبيات ليدلونا على كيفية إدارة شئون الحياة عندما نعجز عن ذلك، فدور هؤلاء يتفاقم فى فترات التحولات الكبرى. نحن إذا فى زمن الساحرات الجدد وقد استبدلن المكانس الخشبية بالكمبيوتر والمحمول والشاشات.

التعليقات