مصحف أبى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 11:53 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


مصحف أبى

نشر فى : الخميس 17 نوفمبر 2016 - 9:45 م | آخر تحديث : الخميس 17 نوفمبر 2016 - 9:45 م
هذا المخزن المهجور لا أحد يستطيع دخوله، والأدق القول لا أحد يحب دخوله ففيه أشياء كثيرة لم نتخذ قرارا نهائيا بالتصرف فيها وفى الوقت نفسه لسنا متأكدين من حاجتنا إليها فنلقى بها فى المخزن حتى نكون فيها رأيا ثم ننساها، حقائب سفر قديمة، كتب ومجلات ضاقت بها مكتبة المنزل، مائدة كمبيوتر ومسطرة حرف T، أغطية وأحذية وملابس، إطارات للسيارة وأخرى للصور، أشياء لها معنى وذكرى وتاريخ وأشياء أخرى لا نعلم من أين جاءت ولا فى أى سياق تسللت إلى هذا المخزن. فى اللاوعى كنت أحاول أن أتخلص من حقيقة أن هناك مخزنا وأنه يحتاج فرزا وجردا وتنظيفا، نوع من الهروب من مسئوليتى عن هذه المهمة غير اللطيفة ومنطق فى ترتيب الأولويات كان يضع زيارة المخزن فى ذيل القائمة، ومع ذلك ظل هذا المشوار المؤجل إلى المخزن يطل برأسه من حين لآخر كلما تفقدنا شيئا أو آخر ولم نجده فينتهى بنا الأمر للقول: لعله فى المخزن.

***

غريب جدا هذا العقل البشرى يسدل حينا ستائر النسيان على أشياء وأحداث وأشخاص ويرفعها كلا أو جزءا عنها وعنهم حينا آخر فلا ندرى كيف نسينا ولا لماذا تذكرنا. كنت منهمكة فى تحضير محاضرتى كالمعتاد عندما لاحت فى خيالى فجأة صورة مصحف أبى فطويت أوراقى وانفصلت عن الواقع. شبه لى أنى أرى المصحف فعلا وأنى لو مددت إليه يدى يمكن أن ألمسه، هو ذاته بجلده الأسود الأنيق وكعبه المقسم ثلاثا: فى الجزء الأعلى لفظ الجلالة مكتوب بخط ذهبى رفيع ثم عبارة قرآن كريم وأخيرا اسم والدى ووظيفته، فأين راح هذا المصحف الذى ما كان أبى يقرأ إلا فيه ولا يحفظ إلا منه؟

كان البحث عن مصحف أبى السبب الوحيد الذى قادنى إلى المخزن، يحدثنى عقلى أن وجوده فيه أمر مستبعد فلا يعقل أن أودع مصحفا هذا المكان المهجور حيث يختلط كل شىء بكل شىء، ويراودنى قلبى بأنه هناك وأنه ذهب إلى المخزن سهوا أو على سبيل الخطأ، لكن بصيص الأمل كان يستحق المحاولة.

فى هذا المكان صنعت الأتربة المتراكمة عبر السنين طبقة سميكة فوق الأشياء فطمست ملامح الكتب والأوراق والصحف القديمة، ونسج العنكبوت خيوطه فى الأركان فبدا المخزن أشبه ما يكون ببيت الأشباح، ومع ذلك لم يكن من الأمر بد فاستعنت على الشقاء بالله وبدأت رحلة البحث عن مصحف أبى. وضعنى خوفى من ألا أجد ضالتى ورهبة المكان فى حالة نفسية غير مريحة، وزاد الضوء الخافت من توجسى فرحت أتحرك ببطء شديد، ألتقط تمثالا أبنوسيا أسود ظل قابعا داخل النيش لأعوام وكانت ضحكته أجمل ما يستقبلنى فى الصباح، أعثر داخل كيس كالح اللون على فستان زفافى والطرحة والقفاز، تتعثر قدمى فى طرف بساط يدوى صغير أحببت نقوشه يوما وعجبت من إعجابى بها فيما بعد، و... على مائدة مستديرة تكاد تختفى خلف عدة كراتين ورقية كان يوجد كتاب يعطى الانطباع أنه مصحف أبى فهل تراه هناك؟ كان هناك.

***

أمسكت بالمصحف فإذا به لم يسلم من فعل الزمن، خطه الذهبى مقشور، جلده ممزق قليلا، أوراقه صفراء ومنها ما هو مطوى، خطوط القلم الرصاص تحت بعض آياته انمحت أو كادت. أزلت الغبار برفق عن المصحف وفتحته مبهورة على سورة «يس» السورة الأحب إلى قلب أبى، جزء من ورده الصباحى وتميمته التى يرقينا بها قبل كل امتحان، حتى إذا كبرنا وصار لنا أولاد ربطوا بدورهم ربطا تلقائيا بين أبى وبين الخير الذى يأتيهم من وراء سورة «يس» وهكذا راحوا يكررون عليه فى مناسبات مختلفة «لا تنسَ أن تقرأ لنا سورة يس يا جدو» فيطمئنهم مبتسما وقد يداعبهم قائلا «هديتم حيلى». رحت أتلو بصوت خفيض «يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين...»، تداخلت تلاوتى مع تلاوة أبى فلا يمكن أبدا أن تتلى «يس» فى حضرته ولا يشترك فى التلاوة، هل ترانى قلت فى حضرته؟ نعم هكذا بدا لى كما بدا دائما حتى أننى عندما كنت أزوره على فترات متباعدة بعد رحيله وكنت أقرأ له «يس» كان يهيأ لى أن صوتا يأتى من أعماق الأرض يصحح لى نطق الآية «وذللنها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون» وينبهنى إلى ضرورة نصب الراء فى «ركوبهم» وكنت أحيانا ما أضمها خطأ فأستمع للصوت وأمتثل وأنصب. تملكنى شعور جارف بالحنين إليه والأصح أنه عاودنى، تراءى لى وقد فرغ من قراءة ورده الصباحى يدعو بالمغفرة لقائمة من الأحباء، الذين رحلوا عنه ووجدته كعادته يعد أسماءهم على أصابع يديه كى لا ينسى منهم أحدا، كانت قائمة المشمولين بدعائه تطول كلما بارك الله فى عمره وراحت تتسع تدريجيا لتشمل ليس فقط من يعرف بل كذلك من لا يعرف، حتى أنه حين رحل الشيخ محمد متولى الشعراوى جعل اسمه فى آخر القائمة فسألت والدى مستفسرة: لماذا هو؟ ورد على سؤالى بسؤال: ولِمَ لا؟ أخجلنى.

***

لم يغرنى شىء فى المخزن بأن أحمله معى وإن يكن كل شىء فيه قطعة منى، فقط احتضنت مصحف أبى. وفى بيتى لم أجد للمصحف مكانا وسط العديد من المصاحف التى أهداها لنا أصدقاء أو وزعت علينا فى سرادقات العزاء وهذا تقليد جد على تعبيرنا عن الحزن. لم يكن أبى من هواة جمع المصاحف فلا يصح إذن أن أودع مصحفه الوحيد وسط هذا العدد الكبير منها، أراه متسقا أكثر مع هذا الركن فى الخزانة حيث البقايا من بقاياه: خاتم زواجه يحيط بخاتم أمى، غطاء الرأس الذى كان لا يفارقه طوال الشتاء، صوره وهو يداعب أحفاده. استرحت لهذه الفكرة فأفسحت مكانا للمصحف بين أشياء أبى، أحسست أنه يحميها ويحرسها وعندما أغلقت باب الخزانة على كنوزها شبه لى أنى أسمع ترتيلا نورانيا بديعا لسورة «يس» يأتى من داخلها.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات