«ريش».. عمر زهيرى يدهشنا برؤية خيالية مغلفة بكوميديا عبثية فى منطقة أكثر قتامة - خالد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 6:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


«ريش».. عمر زهيرى يدهشنا برؤية خيالية مغلفة بكوميديا عبثية فى منطقة أكثر قتامة

نشر فى : الأحد 17 أكتوبر 2021 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 18 أكتوبر 2021 - 9:57 م
يبقى فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري الذى ينافس بمهرجان الجونة السينمائى والفائز بجائزة أسبوع النقاد فى دورة مهرجان «كان» الأخيرة، عملا فنيا عميقا وشائكا بامتياز، وذلك لمفرداته الفنية المدهشة بواقعيتها القاتمة وفكرته اللا معهودة على شاشة السينما المصرية، وجرأته فى الطرح الذى يغوص فى نبع واقع موجع برؤية خيالية بها مسحات من الكوميديا العبثية السوداء وهو ما يجعلنا ننظر إليه من زاوية خاصة لمخرج استطاع التعبير عن أفكاره الذاتية بحرية فى عمله الروائى الطويل الأول.
نعم هناك مشاهد صادمة لكنها تسبح فى منطقة تدعو للتفكير بطريقة سردها الذكى المتتابع، لقطاته تبدأ وتنتهى بتسجيل دائم لموقف، حيث نرى رجلا يشعل النار فى جسده فى المشهد الذى يبدأ بشاشة سوداء وصوت دلق الكازولين ثم نرى الرجل ويدعى السيد السلطانى عن بعد وهو يحترق. ثم قطع عنه إلى المشهد التالى مع بقاء الصدمة عالقة لفترة.
الرجل يُدير شئون عائلته (زوجة وثلاثة أطفال) التى تعيش فى بيت تتآكل جدرانه وتتسخ، هو زوج تقليدى يمسك بكل مرافق الحياة بما فيها ما ستشتريه زوجته (دميانا نصار) من طعام. يفتح صندوقا مقفلا ويعطيها قدرا محدودا من المال لتدبير شئون البيت، وغالبا ما تنصاع من دون حوار وستبقى قليلة الكلام طوال الفيلم حتى بعد اختفاء زوجها فجأة فى حكاية مثيرة بذاتها: فى حفلة عيد ميلاد طفله البالغ من العمر أربع سنوات تتم الاستعانة بساحر للترفيه، يفتح الساحر صندوقا ويطلب منه الدخول إليه ويغلقه وحين يفتحه ثانية يستخرج الزوج كدجاجة وعندما يحاول إعادة الدجاجة إلى رجل يخفق.
الآن الزوجة لديها زوج هو دجاجة.. أو هكذا يوحى الفيلم. لأنه فى وقت لاحق (قُبيل نهاية الفيلم) سيتم اكتشاف الزوج رجلا محترقا صامتا لا يعى ما حوله.
لكن ما هو سبب تحويل الساحر له إلى رجل بلا ذاكرة أو هويّة وما علاقة الدجاجة بالموضوع؟ ثم ما هى القراءات الاجتماعية المناطة بهذه الفكرة؟
ندرك أن هناك معاناة الزوجة هى تعتقد أن الدجاجة التى باتت تعيش فوق سرير الزوجية هى زوجها بالفعل، لكن عليها أن تعمل، تمر بضائقة تلو أخرى وهى صامتة تبدو مستكينة طوال الوقت وهو ما يعنى أن تلتزم بأداء واحد لا يتغير خال من التعابير.
هذا أسلوب أداء ربما يكون ضروريا لوحدة المعالجة والأسلوب الذى يسير وفق منهج عام أراده المخرج وخلا من مشاعر موازية.
هناك مشهد يحاول فيه الساحر الذى لا يظهر بعد ذلك، إعادة الدجاجة إلى إنسان. يقرأ عليها بوجود رجال من المدعوين، يصرخ بهم أن لا يتدخّلوا ولا أحد يتدخّل ثم ينصرف تاركا الدجاجة بين أيديهم.
الفيلم ملىء بتفاصيل هامشية لكن تستحق الاهتمام كما حال تلك الدجاجة ودورها فى الفيلم كون الزوج والدجاجة يلتقيان فى المشاهد الأخيرة. إذا كانت الروح الفعلية للزوج انتقلت إلى الدجاجة (التى ما زالت تبيض وتأكل وتتحرّك كأى دجاجة أخرى) كيف إذن قرر إشعال النار فى جسده؟
«ريش» فيلم مدروس جيّدا تبعا لرغبة المخرج فى كيفية سرده وكيفية معالجته كبعد اجتماعى ما وكحكاية غرائبية مع إبقاء معظم المشاهد بعيدة عن وجوه أصحابها وإذا اقتربت ففى الغالب هى غير واضحة وغير منفعلة. هذه قيمة جيّدة لفيلم خارج المعهود يعكس بيئة مكانية ملوّثة ومبانى مهجورة ومتسخة توازى بيئة نفسية اجتماعية قاهرة ضحيّتها امرأة كل ما ترغب به هو استمرار حياتها وحياة أولادها بزوج أو بدونه
تواجه الزوجة تحديا كونها المعيلة لأول مرة فى حياتها فهى تحت ضغط لدفع الإيجار، حيث تأخر زوجها فى الدفع، لكن اللغز الأكبر لديها هو كيف يجب أن تعامل الدجاجة، الزوجة مصممة على رعاية زوجها الدجاجة، حتى أنها تطعمه بالحبوب فى فراشها الزوجى، وربما بدأت تدرك أن الدجاج قد يكون أكثر تقديرًا من زوجها.
فنحن هنا أمام امرأة أُجبرت على التعامل مع تداعيات خدعة سحرية انحرفت، مدعوة الآن إلى الظهور فى المقدمة والعناية بأسرتها لتأمين بقائهم على قيد الحياة، وتمر بتحول كامل فى إطار من السريالية للبعد عن حقيقة أعمق.
فى تلك الحالة العبثية تبقى الشخصيات مجهولة لإبراز حقيقة أن هذه قصة يمكن أن تحدث فى أى وقت وفى أى مكان كما أن الممثلين غير محترفين «سامى بسيونى» الزوج، دميانا نصار «الزوجة» ومعهم محمد عبدالهادى، فادى مينا فوزى، يشكلون باقة أنماط مناسبة لفيلم عن التحولات الاجتماعية وكانوا على قدر واقعية الأداء.
المخرج الذى قدم من قبل فيلم قصير بعنوان
«ما بعد افتتاح المرحاض العام فى الكيلومتر 375» يعرف بالضبط ما يجب القيام به وفق السيناريو الذى كتبه مع أحمد عامر وأن أى شىء نريده من الدجاج يمكننا تحقيقه وكأنه أراد تصوير جزء من الحياة الصعبة التى تعيشها أسرة مصرية عادية فى مواجهة هذا الموقف العبثى، ويتفاعل أفراد هذه العائلة دون تفكير حقيقى لكنهم فى الواقع عالقون باستكشافهم عن حقائق أعمق، هذه دراما تخبر الكثير عن شعور الناس تجاه أنفسهم وحياتهم ووضعهم.
يقول الزهيرى: «أعتقد أنه فى السينما عليك أن تُظهر للجمهور شيئًا لم يسبق له مثيل من قبل فى حياتهم، لكنهم بحاجة إلى رؤيته أراد تصوير جزء من الحياة الصعبة التى تعيشها أسرة مصرية عادية. فى مواجهة هذا الموقف العبثى، يتفاعل أفراد هذه العائلة دون تفكير حقيقى. لكنهم فى الواقع عالقون.
تأثر زهيرى بصُنّاع أفلام مثل يوسف شاهين، ومحمد خان، وخيرى بشارة، ويسرى نصر الله، وأسامة فوزى، وكذلك روبرت بريسون، وآكى كوريسماكى، وقد حاول بتجربته أن يجعل الجمهور يشعر بأنه جوهر قصتنا.
حافظ المخرج على الكوميديا ​​على خطة، وبينما يبدو فى البداية أنه عمل كوميدى سريالى، فإنه يتجه أيضًا إلى منطقة أكثر قتامة، مما يسمح للمرأة بالتغيير والتطور أثناء تعاملها مع وضعها الحتمى الجديد واكتشاف ما حدث بالفعل لزوجها.
خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات