أنا و11 سبتمبر - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 10:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

أنا و11 سبتمبر

نشر فى : الجمعة 17 سبتمبر 2021 - 8:05 م | آخر تحديث : الجمعة 17 سبتمبر 2021 - 8:05 م

لم أكن أتصور أو يخطر على بالى أن يرتبط اسمى بأحداث 11 سبتمبر من قريب أو بعيد، فبلا شك أن ما حدث فى يوم الثلاثاء ١١ سبتمبر عام ٢٠٠١م، كان مفاجأة صادمة لكل العالم بل ولكل من يعيش على الكرة الأرضية بدون استثناء، لقد جلسنا فى ذهول غير مصدقين ما تراه عيوننا على شاشات التلفزيون. طائرتا ركاب تصطدمان بناطحتى سحاب وطائرة ثالثة تصطدم بمبنى البنتاجون والرابعة سقطت فى حديقة أحد المبانى، وتتالت الأنباء بأن عدد الضحايا وصل إلى 2996 ضحية، وظهر أسامة بن لادن من مرتفعات أفغانستان يتمشى ومعه أيمن الظواهرى، يتحدثان فى سعادة وفخر، وهما يعلنان مسئولية تنظيم القاعدة عن الحدث الرهيب. وقد كان لهذا الحدث وما زال أثر ضخم بل رهيب على العالم أجمع والوطن العربى خاصة وبالطبع مصر.
بعد شهرين أو ثلاثة اتصل بى صديق أمريكى مهاجر من أصل مصرى يدعى فيكتور مكارى، ويعمل فى الشق الإدارى والعلاقات الدولية للكنيسة المشيخية الإنجيلية فى الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث أسست الكنيسة فى مصر عام 1854م ثم إفريقيا، وكان منفعلًا انفعالًا شديدًا ليس فقط بسبب ما حدث لكن أيضًا بسبب المظاهرات التى قامت فى مصر وسوريا والعراق وليبيا مؤيدة ما حدث، قائلًا: هذه ليست مصر التى أعرفها جيدًا، وبعد أن هدأ قال لابد أن تُدرك أمريكا عراقة وحضارة مصر. وأردف قائلا من هنا طرحت فكرة على الكنيسة الأم بأمريكا فى بادرة لم يسبق لها مثيل، بدعوة عدة قوافل من بلدان مختلفة ومتعددة يعيش فيها المسيحيون جنبًا إلى جنب مع إخوتهم المسلمين لمئات وآلاف السنين، حيث تتكون كل قافلة من اثنين؛ أحدهما مسيحى والآخر مسلم، وقد خُطط أن تقدم الدعوة إلى مصر والأردن ولبنان من الشرق الأوسط ومن آسيا ماليزيا وإندونيسيا والهند والفلبين، ومن إفريقيا كينيا وإثيوبيا والنيجر، ومن أوروبا إيطاليا، لتجتمع هذه القوافل معًا فى نيويورك فى الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠٢م بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لهذه الأحداث الدموية، وكان الهدف تقديم نموذج للتعايش الإسلامى المسيحى فى معظم القارات وبكل اللغات، وإقامة حوارات إسلامية مسيحية فى الكنائس والمساجد والمدارس والجامعات... إلخ. والظهور على التليفزيون فى برامج حوارية يشارك فيها المشاهدون وستكون معك فتاة مصرية. وقال لقد رشحت اسمك لهذه المهمة. ترددت لأننا سمعنا كيف يتعامل الأمريكان مع العرب والمسلمين بعد 11سبتمبر، لكنه أصر قائلًا هذه مهمة وطنية صعبة لابد من قبولها لأجل بلدنا. فخضعت وسألت عن البرنامج، فقال التواصل مع مؤسسات إسلامية وكنائس ومساجد لتعميق العلاقات وإقامة حوارات إسلامية مسيحية، ثم أردف قائلا: وقد تم اختيار صحافية مثقفة معك تُدعى هديل غنيم وقد كانت تعمل مُحررة فى مجلة «وجهات نظر»، والتى كانت تصدرها دار الشروق فى ذلك الوقت، وكانت من المجلات الثقافية المتميزة.
•••
فى سبتمبر 2002 كنا أنا وهديل على متن طائرة مصر للطيران، وفى مطار نيويورك لم يبتسم فى وجوهنا أمريكى واحد بعد فتحه جواز السفر أو قبله، وعند خروجنا من المطار سمعنا عبارات رافضة لوجودنا: لماذا تأتون إلى هنا؟! هل تنتظرون ترحيبًا منا؟ ارجعوا لطائراتكم، كيف تجرأون؟.. إلخ. استكملنا مسيرتنا فى صمت لكن كنا مُحبطين. فى صباح اليوم التالى كان هناك صديقى وأقلنا إلى المبنى الإدارى للكنيسة، وبعد جلسة عامة مع قيادات الكنيسة المضيفة لتوضيح الهدف من وجودنا، والإجابة على أسئلتنا، تم توزيع كل قافلة على حدة فى ثلاث ولايات مختلفة ليشمل البرنامج معظم الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لمدة ثلاثة أسابيع، والهدف إقامة حوار خلاق فى المراكز الإسلامية والمسيحية وفى المدارس والجامعات وتقديم نموذج للتعايش بين المسلمين والمسيحيين على مستوى العالم للشعب الأمريكى، على اختلاف الحضارات واللغات والثقافات، وعلمنا أن هذه الفكرة وافقت عليها الكنيسة الأمريكية، بسبب ردود الأفعال العنيفة للشعب الأمريكى تجاه الغرباء من العرب والمسلمين بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م، حيث لوحظ الهجوم العنيف على كل ما هو إسلامى أو شرقى أو ملون بوجه عام؟
لقد رأى القائمون على مثل هذا البرنامج أن هناك نماذج رائعة للتعايش المسيحى الإسلامى على امتداد الكرة الأرضية، حيث كانت لهم تجربة سابقة عام ١٩٩٤م، عندما طلب منهم طيب الذكر د/ القس صمئويل حبيب رئيس الطائفة الإنجيلية الأسبق حينئذ ترتيب زيارة له مع مفتى الجمهورية الأسبق د/ سيد طنطاوى، وكان لهذه الزيارة تأثيرها الضخم فى العلاقات المسيحية الإسلامية فى مصر والخارج، وأيضًا بين المؤسستين؛ الأزهر والكنيسة فى مصر، وبين مؤسسة الأزهر فى مصر والمؤسسة الكنسية الأمريكية، ولذلك أرادت المؤسسة الكنسية الأمريكية أن تقدم مثل هذه النماذج للمجتمع الأمريكى حتى يعيدوا الثقة مرة أخرى فى الجار المسلم والملون، ولاشك أن الحوار فى أمريكا فى هذا الوقت كان أمرًا فى غاية الصعوبة، إن لم يُقدم بصورة حية نماذج حية للتعايش المسيحى الإسلامى المستمر عبر التاريخ، وهو ما نجده فعليا فى حالة مصر وسوريا ولبنان. وقد اتفقنا ونحن نتحاور فى معضلة ما الذى نقدمه فى حواراتنا على أن يكون العرض واقعيًا، بمعنى أننا لن نتحدث عن واقع وردى، لأن هذا الواقع لا يوجد فى أى بلد فى العالم، لكن يجب أن نذكر التجربة فى كل بلد بسلبياتها وإيجابياتها، واتفقنا كفريق مصرى أن نعرض كيف استطاع الشعب المصرى على مدى السنين أن يتعايش معًا كمسلمين ومسيحيين رغم الإخفاقات التى تمت فى التاريخ، فعصر عبدالناصر يختلف عن السادات، وأن تكون المحصلة فى النهاية جيدة، خاصة بعد أن صار الآخر المختلف فى السنين الأخيرة بعد ١١ سبتمبر مصدرًا للرعب والموت فى هذا الزمان. وبعد أن صارت المفاهيم الخاطئة عن الأديان والمعتقدات والتوجهات هى السائدة، وهكذا صار الغرب عند الشرق منحرفًا أخلاقيًا وصار الإسلام مصدرًا للإرهاب، وأمريكا تعيش غطرسة القوة، وهكذا.. كان لابد أن يعود الإنسان إلى إنسانيته، هذه الإنسانية التى تضع الحد الفاصل بينه وبين الكائنات الحية الأخرى، وتميزه تلك الإنسانية التى تفرض عليه بطبيعتها أن يتحاور مع الآخر المختلف فالإنسان حيوان ناطق، حيوان مدرك فاهم يعمل لأجل المستقبل ويتعلم من أخطائه. وهكذا كانت الحاجة إلى حوار خلاق يضع الأمور فى نصابها بعد أن أعلن البعض فى الغرب أن اختطاف الطائرات وقتل الأبرياء جزء أصيل من العقيدة الإسلامية، وأعلن البعض الآخر فى الشرق أن أمريكا لا تحارب الإرهاب فى أفغانستان والشرق الأوسط بسبب ١١ سبتمبر، لكنها تحارب الإسلام بهدف القضاء عليه تمامًا، وهكذا تاهت الحقائق بسبب عدم إرجاع النتائج إلى أسبابها الحقيقية فى وسط دعاية، إما جاهلة أو مغرضة، وكان لابد للشرق الأوسط والعالم الإسلامى أن يبادر بطرح فكرة الحوار ووضع برامج فاعلة لمثل هذا الحوار لأنه الأكثر حاجة إليه، لكن الذى حدث هو أن المنظمات الأهلية والكنيسة فى أمريكا هى التى بدأت بتنظيم برنامج حوارى فى أكثر من ثلاثين ولاية، تُرى كيف بدأ الحوار؟ وكيف سار؟ وأين انتهى؟ وما هى النتائج؟ فهذا ما سوف نتحدث عنه – عزيزى القارئ – فى المقال القادم.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات