ساعة سحر صباحية - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 1:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ساعة سحر صباحية

نشر فى : الأربعاء 17 يونيو 2020 - 11:00 ص | آخر تحديث : الخميس 18 يونيو 2020 - 3:11 م

هل من طريقة يمتد فيها الصباح الباكر قليلا ويطول الصمت من حولى بينما تصلنى علامات استيقاظ العالم ببطء؟ هل من عصا سحرية أضربها فى الهواء حين أستيقظ قبل الآخرين فيقف الزمن لكنى أسمع أصوات الصباح فأعرف أننى ما زلت أتنفس ولم أتجمد مع ما حولى؟ من هنا مرت ساحرة كتلك التى كنت أقرأ عنها فى قصص الأطفال، على رأسها قبعة عالية وتلف جسدها النحيل بطبقات من القماش. تحمل الساحرة عصا تهزها بحركة واحدة من الأعلى إلى الأسفل أمام أنفها وتأمر الزمن أن يتوقف فى ساعات الصباح الأولى.


***


يتوقف الزمن، الآن لم أعد مستعجلة، أبطئ من حركتى وأملأ فنجانا كبيرا من القهوة آخذه معى إلى مكانى المفضل فى البيت، أجلس فى مواجهة الشباك أنظر إلى الشمس وهى تداعب شجرة كبيرة أسمع من على أغصانها العصافير، بما أن الساحرة أوقفت الزمن فلا داعى لأن أبدأ يومى إذ لن يستيقظ أفراد عائلتى بعد ولا شىء يدفعنى إلى التخلى عن ترف الاستمتاع بساعة إضافية من البطء، ساعة من اللا شىء تهدينى إياها الساحرة.


***


رأسى مثقل بأحلام غريبة لا أتذكرها إنما ما زالت تضغط على، وعلى وجهى خطوط من آثار السرير لكن للقهوة مفعول كالسحر على الروح فكل رشفة تفرد خطا فى وجهى وتطرد شبحا بقى حولى من الليلة السابقة، ألا يذهب الأشباح مع شروق الشمس؟ يبدو أنهم يهربون من رائحة القهوة، فها هم يتلاشون مع كل رشفة.


***


أمد يداى يمينا ويسارا علنى أمط معهما تلك المساحة التى أشعر أنها منكمشة وسط جسدى حيث القلب والرئتين، أريد أن أخلق فسحة يدخل إليها الصباح وتمتد مع أشعة الشمس قبل أن تعود مشاغل اليوم فتقلصها. أتنفس بعمق ولا أشم سوى قهوتى التى تخيم على ساعتى الإضافية، الساعة التى أعطتنى إياها ساحرة وهى تحذرنى ألا أنسى أنها ساعة واحدة إضافية فقط، يعود بعدهما كل شىء إلى وقته ومكانه.


***


ثمة روائح لا تأتينى إلا فى الصباح، تخرج من تلك المساحة التى تمددت بين قلبى والرئتين. كأن أشم مثلا رائحة ماء وتراب فأبتسم. نعم، ها هو أحدهم يرش الماء أمام دكانه فيتطاير التراب من على الطريق إلى الهواء! لرش الماء فى الصباح رائحة أخشى أن تختفى من أنوف الأجيال القادمة إن استمر اقتلاع الدكاكين الصغيرة وموت أصحابها لصالح المحلات الكبرى الموحدة. أو رائحة الخبز، لا يمكن أن يكون صباحا خيرا دون رائحة فرن الحى وحركة الخباز العجوز. قد يكون الخباز شابا لكن يجب أن يبدو كالعجوز حتى تأتينى تلك الرائحة التى تذكرنى بشوارع ضيقة وطفل أرسلته أمه لأنه استيقظ قبل إخوته ليشترى العيش. رائحة الصابون البلدى، حلبيا كان أم نابلسيا لا يهم، هناك رائحة للنظافة لا إضافات كيمائية عليها، ماء وفقاعات من الصابون تستخدمها سيدة البيت لغسل اليدين والوجوه والسجاد والدرج، هى رائحة الصباح، صباحات ما قبل اختراعات عجيبة بروائح فاكهة لا تنبت أصلا فى منطقتي! كثيرا ما أتساءل إن كان بإمكانى أن أتلمس طريقى فى الحياة دون حاسة الشم، لا أظن.


***


أسمع حركة فى البيت فأفهم أن الساعة السحرية قد فلتت دقائقها من بين يدى بينما كنت أسبح فى روائح صباحية أستحضرها من أعمق ما فى ذاكرتى. لحظات ويبدأ يوم عادى وتدخل إلى سكينتى أصوات وإلى صمتى إرشادات أسمعها بصوتى لكن يتهيأ لى أنها تخرج من شخص آخر. ساعة السحر الصباحية كفيلة بإخراجى من جسدى تماما كما يصف من يعتمدون تمارين التأمل حالتهم حين يركزون: أنتقل إلى مكان آخر فيه طمأنينة طفل يجلس فى حضن أمه. هل رائحة الصابون البلدى تعيد سيدة ذهبت وتفتح شبابيك الغرف المطلة على حديقة البيت الداخلية فتدب فيها الحياة من جديد؟


***


ساعة السحر الصباحية تحيى الأموات وتأخذ من الأحياء سنوات الشيخوخة فتظهر وجوه شابة أمامى وأسمع قصصا على إيقاع عصا خشبية تدخل فى الفرن لتحرك الأرغفة الساخنة. هو سحر ينهمر على روحى لمدة ساعة صباحية أسافر خلالها إلى أماكن أتعرف على تفاصيلها دون أن أحدد موقعها لأن الموقع لا يهم الآن بقدر ما هى مهمة الروائح والكلمات التى تطبطب على وتعيدنى إلى حيث الحب، حب رائحته صابون بلدى فى صباح يخبز فيه العجوز أرغفة سرعان ما ستصبح وجبة الحى ودليل أن ثمة صباح جديد قد أشرق. الخبز يعنى يوما جديدا، يعنى حارة قلما تتغير، الخبز يعنى رائحة الطمأنينة. والطمأنينة فى ساعة سحر صباحية لا يحرك سكونها سوى روائح تأتى من بعيد فترد معها الروح وتمحى الخطوط من على وجهى.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات