قطة الدور الثالث - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 8:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

قطة الدور الثالث

نشر فى : الخميس 17 مايو 2018 - 8:50 م | آخر تحديث : الخميس 17 مايو 2018 - 8:50 م

مرة أخرى تنشب هذه القطة اللعينة أظافرها في كيس القمامة المغلق بعناية وتبعثر محتوياته في كل مكان حتى إذا خرج سكان الطابق الثالث كعادتهم في الصباح الباكر تعثرت خطواتهم وتعالى سخطهم. كل أصابع الاتهام تشير إلى هذه الشقة التي تقطن فيها أسرة من أربعة أفراد : زوجان شابان واثنان من العفاريت الصغار على هيئة ولدين توأم في الرابعة من عمرهما، هذه الشقة تحديدا هي التي تختارها هذه القطة لتعبث في بقاياها دون باقي شقق العمارة ولا يبدو أن شيئا قادرًا على تغيير وجهتها أبدا .
***

قطة رمادية اللون مع بعض النقاط السوداء هنا وهناك تزور الشقة إياها بشكل متكرر وإن يكن غير منتظم، أحيانا يمر يوم أو يومان بسلام ويشق سكان الطابق الثالث طريقهم بأمان إلى المصعد فإن صادفوا صاحبة الشقة ألقوا عليها السلام. لكن عندما تفعل القطة اللعينة فعلتها وتبعثر كل شيء في كل مكان تعلق بنعال السكان العلكة وبذور المشمش فيعاقبون جارتهم بالتجاهل ويمرون أمامها بلا سلام أو كلام. هي بشكل عام ليست من هذا النوع من النساء الذي يكثر من الاختلاط مع جيرانه، فلا هي تملك الوقت المتاح ولا حتى الجهد لذلك، ولعل معظم الناس أصبحوا مثلها. يستهلكها عملها المنزلي حتى الساعة الرابعة عصرا ثم تهرول إلى مدرسة توأمها وتقفل راجعة لتبدأ معهما معارك المساء والسهرة، ما يصح وما لا يصح، ما يؤكل وما لا يؤكل، وقت المذاكرة ووقت الراحة .. تدور وتدور حول نفسها في انتظار أن تحين اللحظة الذهبية حيث يخلد ولداها إلى النوم فتتحرر. نعم ليس لديها وقت للتزاور والمجاملة لكنها تحب أن تكون علاقتها مع جيرانها بلا مشاكل، فما بال هذه القطة اللعينة تدخل على الخط وتورطها فيما لا دخل لها فيه؟
***

رغما عنها وجدت الزوجة الشابة هذه القطة الرمادية تنتزع حيّزا من تفكيرها وتفرض نفسها عليها فرضا، كان توأمها أيضا يتأفف من هذه الفوضى التي تشيعها القطة إياها في المكان وإن كانا في أحيان قليلة يتخذان الأمر مادة للسخرية، يمشيان وسط الطعام المنثور على طريقة شارلي شابلن ويتسابقان أيهما يشق طريقه أسرع . لماذا لم تتوقف القطة عند الطابق الأرضي أو الأول أو الثاني؟ سؤال وجيه. لماذا تتجشم القطة الصعود إلى الطابق الثالث ولا تتجاوزه إلى الطابقين اللذين يعلوانه؟ تساؤل وجيه آخر. لقد قرأت الزوجة الشابة عن واقعة مشابهة كان تفسيرها أن القطة الضالة لم تجد ما تأكله إلا في نفايات شقة بعينها، فهل لديها هي وحدها ما تأكله هذه القطة؟ وهل هذا شيء يُحتَفَى به باعتبار أنها الأوفر طعاما من كل سكان العمارة أم أنه خصلة تُذَم باعتبارها أكثرهم تبذيرا وإسرافا ؟ مالت إلى نفي تهمة الإسراف عن نفسها وراحت تدحرجها إلى صغيريها بل وإلى زوجها أيضا .. ولم لا؟
***

في صباح أحد الأيام كانت الزوجة الشابة تطل من شرفتها حين رأت القطة تنفذ من فرجة ضيقة جدا في باب العمارة وتتسلل بخفة إلى الداخل .. أهاه.. هي ثوان معدودات إذن وتستقر القطة أمام باب شقتها. من العين السحرية راحت تراقب هذه القطة وهي تتحرك بعصبية ملحوظة ربما لأنها ليست متأكدة من أن هناك شيئا يؤكل، ليست متأكدة ؟! كيف هذا ولها خبرة طويلة مع هذه الشقة ونفاياتها؟ لا جواب. لأول مرة تشعر بالتعاطف مع القطة وهي تراها قد التقطت شيئا من داخل الكيس لم تتضح معالمه على وجه الدقة، وكما دخلت المكان تسللا بارحته تسللا لتعود وتنتحي جانبا بعيدا وتتلذذ بما اقتنصته. ماذا لو لم تجد القطة ما تأكله؟ ماذا لو أنها رجعت بخفي حنين واستقبلها الشارع بزحامه وقسوته وناسه المتصارعين على الأنفاس والأرزاق والطريق؟ ماذا لو تساوت لدى القطة كل الطوابق فصعدت إلى الطابق الثالث وهي جائعة ونزلت منه وهي جائعة ؟ لو لم تخطئ الزوجة الشابة فإنها تحسب أنها رأت انتفاخا قليلا في بطن القطة الرمادية، نعم .. نعم تظن ذلك بل هي متأكدة منه، وهذا يعني أن صاحبتنا مدعوة لإطعام ما لا يقل عن خمس قطط وليدة أيضا. ابتسَمت لا بل توتَرَت.
***

منذ تكشفت زوايا جديدة في مشهد القطة مع كيس القمامة لاحظت الزوجة الشابة تغيرا في سلوكها ولم تنزعج منه، وجدت أنها تخلت عن وصف القطة الرمادية بالملعونة بل صارت عندما تتحدث عنها تقول فعلت القطة المسكينة كذا ونبشت القطة المسكينة كذا، تعمدت أن تكثر من إطلالاتها الصباحية من الشرفة وأن تتابع خطوات القطة الحامل وقد تثاقلت لكنها مازالت بعد قادرة على أن تنفذ من فرجة الباب وتصعد إلى كنزها المخبوء في الطابق الثالث، باتت تتنبه لأنفاس القطة المتقطعة أو ظنت أنها تتنبه إليها وهي تعبث بفضلات الطعام تفرزها وتختار منها الأشهى، هل تراها أيضا تعمدت مع سبق الإصرار أن تترك غلالة رقيقة من اللحم على بقايا الطيور والدواجن؟ أجل تعمدت .
***

ما بال القطة إياها قد اختفت عن الأنظار أكثر من المعتاد؟ مر يومان وثلاثة وأسبوع ولا حِس ولا خبر، آخر ما كانت تتصوره الزوجة الشابة أن تحن إلى قطة من قطط الشارع وتستوحشها حين تغيب، مزدحمة شوارعنا بمئات القطط الضالة فلماذا هي بالذات؟ هي بالذات لأنها هي التي حمّلت الزوجة الشابة المسؤولية عنها لا بل عن حفنة من الأرواح التي غالبا ما تكون قد أبصرت النور في الأيام القليلة الماضية . نحن نحب كثيرا أن نشعر باحتياج الآخرين لنا، ترهقنا مسؤوليتهم، تزعجنا مطالبهم لكنهم يمنحوننا شعورا بالأهمية، هم يحتاجون إلينا ونحن نحتاج إلى شعورهم هذا. قالت غدا يكبر التوأم ولا يعود يحتاجها وستبحث عمن يعطي وجودها قيمة حتى لو كان هذا الآخر مجرد قطة. ما هذا الصوت؟ إنه صوت النبش إياه ينبعث من وراء الباب، هي إذن عادت .. هرولت الزوجة الشابة إلى الباب وفتحته بقوة فتراجعت القطة الرمادية مذعورة إلى الوراء .. لا تخافي .. هذا لكِ .. كل هذا الكيس لكِ، وقفت القطة في وضع انتباه.
***

بسبست المرأة الشابة للقطة الرمادية وزادت من فتحة باب الشقة كأني بها تدعوها للدخول فدخلت.. أغرتها رائحة اللحم الضأن الزكية فتوغلت لكن بحذر.. فإن يكن خارج الشقة مألوفا لديها فداخلها غريب لم يزل. هل يرحب الزوج بهذه الزائرة وقدومها المفاجئ؟ هل ينسى التوأم للقطة عبثها وفوضاها المزعجة؟ تركت المرأة كل هذه الأسئلة خلف ظهرها ولم يعد يشغلها شيء سوى أنه في هذا المساء الخاص سينساب في أفواه عدد من القطط الوليدة نهر من الحليب بنكهة لحم الضأن ، ويا له من لحم لذيذ.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات