الأحد 26 مايو 2019 12:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

شكرًا جوليان أسانج

نشر فى : الأربعاء 17 أبريل 2019 - 10:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 17 أبريل 2019 - 10:35 م

نشر موقع القدس العربى مقالا للكاتبة العراقية «هيفاء زنكنة» تتناول فيه الحديث عن الوثائق العسكرية التى سربها موقع ويكيليكس بشأن الحرب الأمريكية على العراق، وإمكانية استخدامها كوثائق لمقاضاة المسئولين عن شن الحرب على العراق باعتبارهم مجرمى حرب.
«احرقهم… نعم كلهم!»، يقول الجندى الأمريكى مشجعا زميله وهو يرش العراقيين الذين يتراكضون فى الشارع، فى بغداد الجديدة، تحت مروحية الأباتشى. يعجبه مرأى الضحايا على الأرض، فيصرخ فرحا «آه، نعم، انظر إلى هؤلاء الأوغاد الميتين. منظر لطيف». وعندما اكتشفت قوات الاحتلال، فيما بعد، وجود طفلين بين الجرحى، قال المسئول عن رش الضحايا بالرصاص، مبررا جريمته «حسنا، إنه خطؤهم… جلب أطفالهم إلى المعركة». ليس هذا الحوار وإطلاق صرخات الفرح بالقتل المتعمد هو لقطة فى فيلم هوليوودى. بل هو واحد من الأفلام والوثائق السرية التى كشفها الصحفى جوليان أسانج عام 2010، فى تسريبات، ما بات يعرف بـ«ويكيليكس»، التى أدت إلى القاء القبض عليه من قبل الشرطة البريطانية، يوم الخميس 11 إبريل، بعد إخراجه عنوة من سفارة الإكوادور، فى لندن، بعد سبع سنوات ونصف من بقائه لاجئا فيها. تم خلال سنوات لجوئه الكشف عن مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية وغيرها الفاضحة لتبادل المعلومات التى طالما أريد لها أن تبقى طى النسيان، وألا يطلع عليها المواطنون لما تحويه من مساس بحرية الفرد والرأى ومساحة التآمر عليه، غالبا، بذريعة «الأمن القومى».
***
كان الفيديو الذى كشف جريمة قتل 12 مواطنا عراقيا، عام 2007، بضمنهم صحافيون عاملون لدى وكالة أنباء رويترز، وهما نمير نور الدين ( 22 عاما) ومساعده سعيد شماغ (40 عاما، متزوج. ترك أرملة وأربعة أطفال)، والذى ساعدت صحيفة «الجارديان» البريطانية، على توزيعه بشكل واسع، ومن ثم تناقلته أجهزة الإعلام، فى جميع انحاء العالم، هو الذى سلط الأضواء بقوة على أهمية عمل فريق «ويكيليكس» التحقيقى الصحافى، المستند إلى حق حرية التعبير، وهو الذى جعل الإدارة الأمريكية تطالب برأس الفريق أسانج، حسب فرضية اقطع الرأس تتخلص من الجسد، وبعد أن ألقت القبض على الجندى الأمريكى برادلى ماننج، الذى قام بتسريب الفيديو، مع 750 ألف وثيقة عسكرية ودبلوماسية أخرى، إلى «ويكيليكس».
احتل الفيديو أهمية خاصة، أيضا، على الرغم من كشفه بعد مرور ثلاث سنوات على ارتكاب المذبحة، لأنه أوضح بالصوت والصورة، زيف الادعاءات عن « التحرير» و«إنسانية» المحتل.
إذ بينت صرخات الابتهاج بحصد الأرواح من طائرة مروحية من طراز أباتشى (المرتبطة بالأذهان بالمجازر الأمريكية بفيتنام)، وبآلات القتل المتطورة، كيف تعتبر قوات الاحتلال نفسها: أنها فوق البشر. وكيف ترى العراقيين كأوغاد مجهولى الهوية، يحاولون إلحاق الضرر بهم وهم الذين جاءوا لـ«تحريرهم».
كان الفيديو الذى كشف جريمة قتل 12 مواطنا عراقيا، عام 2007، ضمنهم صحفيون عاملون لدى وكالة أنباء رويترز، هو الذى سلط الأضواء بقوة على أهمية عمل فريق «ويكيليكس» التحقيقى الصحفى، المستند إلى حق حرية التعبير.
***
العراقيون، إذن، أوغاد، بلا أسماء، بدون إنسانية ــ وتجريدهم من إنسانيتهم، كفعل منهجى متعمد، يجعل قتلهم سهلا. هكذا، مارس المحتل الأمريكى والبريطانى التعذيب، بأبشع صوره، فى سجن أبو غريب ومعسكر «بريد باسكت»، وارتكب المجازر فى مدينة حديثة (التى تمت مقارنتها بمذبحة ماى لاى خلال حرب فيتنام)، والاسحاقى (حيث قتل 11 مدنيا عراقيا فى يونيو 2006)، والفلوجة التى تم هدم 70 بالمائة منها، بالإضافة إلى اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابى وعائلتها، ومن ثم اتهام «المتمردين السنة» ليغطى الغزاة جريمتهم. وغالبا ما يأتى أحدهم ليبرر جرائم قتل الأطفال بأن الخطأ هو «خطؤهم»، أى أهل البلاد، لأنهم يجلبون الأطفال إلى أرض المعركة. ولأن جوهر المحتل واحد أينما كان، استمعنا إلى ذات التبرير من قبل ناطق باسم الكيان الصهيونى عندما وثقت كاميرا (قناة فرانس2) فى 30 سبتمبر 2000، جريمة قتل الطفل الفلسطينى محمد الدرة (11 سنة)، وهو بحضن والده جمال، وسط قطاع غزة، لحظة بلحظة. حيث واصل جنود الاحتلال رشهما بالرصاص بعد أن اختبأ خلف برميل إسمنتى طلبا للحماية من عمليات إطلاق النار. ادعى متحدث الكيان الصهيونى، للتبرؤ من قتل محمد الدرة، بعد أن هزت صورته ضمير العالم «أن الفلسطينيين يضحون بأطفالهم لتشويه صورة إسرائيل»!
بالإضافة إلى الفيديو، نشرت منظمة «ويكيليكس» الإعلامية، يوم 22 أكتوبر 2010، أكبر تسريب عسكرى سرى فى التاريخ، وهو نشر 391،832 من «سجلات حرب العراق»، التى توثق الحرب واحتلال العراق، من 1 يناير 2004 إلى 31 ديسمبر 2009 (باستثناء شهرى مايو 2004 ومارس 2009) كما سجلها جنود الاحتلال فى التقارير الرسمية، ووصفوا فيها الأحداث، كما رأوها وسمعوا عنها، دقيقة دقيقة. وهى أول لمحة حقيقية عن التاريخ السرى للحرب التى كانت حكومة الولايات المتحدة مطلعة عليه طوال الوقت، حسب تعبير ويكيليكس.
***
توثق السجلات المنشورة فى موقع (Iraq War Logs)، بالتفصيل، وفاة 109032 شخصا فى العراق، تتألف من 66081 مدنيا، 23984 «عدوا» (من يطلق عليهم اسم المتمردين)، 15،196 «دولة مضيفة» (قوات الحكومة العراقية) و3،771 «صديقة» (قوات التحالف). غالبية القتلى أى 60 بالمائة من 66 ألف هم من المدنيين. بلغ معدل القتلى 31 مدنيا فى اليوم خلال فترة السنوات الست. للمقارنة، توضح «مذكرات الحرب الأفغانية»، التى أصدرتها ويكيليكس سابقا، والتى تغطى نفس الفترة، مقتل نحو 20 ألف شخص. مما يجعل ضحايا العراق الموثقين لدى قوات الاحتلال خلال نفس الفترة، خمسة أضعاف العدد فى أفغانستان لنفس النسبة السكانية. وغنى عن القول أن أعداد الضحايا أكبر بكثير إذا ما حسبنا وفيات الجرحى بعد حين، وكذلك الوفيات نتيجة دمار المستشفيات وانتفاء الخدمات الطبية وسوء المواصلات.
هذه الأعداد المسماة بـ«الوفيات الإضافية» هى التى تم التعامل معها عالميا لتقدير نتائج الحروب السابقة، والتى استخدمت فى تقديرات مجلة لانسيت الطبية المعروفة عالميا، عام 2006 عن وفيات العراق الإضافية، وهى 654 الف عراقى فى السنين الثلاث الأولى للاحتلال.
بالنسبة إلينا كعراقيين، للسجلات الأمريكية العسكرية التى كشفها جوليان أسانج، مهما كانت نسبة تسجيلها، أهمية قصوى، خاصة فى مجال محاسبة المسئولين عن شن الحرب ضد العراق كمجرمى حرب، وإلى أن يبادر عدد من الباحثين العراقيين بتفكيك الرموز المتعارف عليها عسكريا، التى استخدمت بكتابتها، ومن ثم ربطها بمجريات الأحداث والجرائم التى غطتها الصحافة، وتقديم ولو جريمة واحدة إلى المحاكم الدولية، إلى أن يتم ذلك أقول شكرا جوليان أسانج فلولا ما سربته لنا أنت وفريق منظمة «ويكيليكس» من سجلات جرائم بحق شعبنا، من حقائق عن الحرب الإمبريالية القذرة، لما كان بإمكاننا حتى أن نحلم بذلك.

النص الأصلى:

التعليقات