السنغال ــ إسرائيل: بَيْنَ المُقاطَعة والتّطبيع - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 15 يوليه 2020 2:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

السنغال ــ إسرائيل: بَيْنَ المُقاطَعة والتّطبيع

نشر فى : الإثنين 17 فبراير 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2020 - 9:20 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب ممدوح مبروك ــ باحث سياسى مصرى ــ تحدث فيه عن التوغل الإسرائيلى فى القارة الإفريقية باستخدام السياسة الدبلوماسية والاقتصادية وغرض إسرائيل من هذا التوغل، ونعرض منه ما يلى:
تحرص إسرائيل على تعظيم تواجُدها فى القارّة الإفريقيّة التى باتت تُمثِّل عمقا استراتيجيّا، وقوّة استهلاكيّة ضخمة لا يُستهان بها، فضلا عن حرصها على تحسين الصورة الإسرائيليّة السيّئة، وجرائمها ضدّ الشعب الفلسطينى أمام الرأى العامّ الإفريقى، مُعتمدةً فى ذلك على سياسة الدبلوماسيّة الفاعلة والحضور السياسى والاقتصادى المؤثِّر.
يُمكن حصْر محدّدات السياسة الخارجيّة الإسرائيليّة تجاه القارّة السمراء بصفة عامّة، والسنغال بصفة خاصّة، فى ما يلى:
* القوّة التصويتيّة للدول الإفريقيّة فى المَحافِل الدوليّة.
* الأهميّة الجيوسياسيّة والأمنيّة للقارّة السمراء بالنسبة إلى إسرائيل، كونها تطلّ على البحر الأحمر، ولها علاقات مُتشابِكة مع الدول العربيّة، تستطيع من خلالها التأثير على المَوقف العربى.
* المصالح الاقتصاديّة، حيث تُعتبر القارّة السمراء غنيّة بالمَوارِد، وتُشكِّل سوقا للبضائع الإسرائيليّة، فضلا عن توظيف إسرائيل ليهود إفريقيا، ومن ثمَّ زيادة معدّلات الهجرة إليها.
تحرص إسرائيل على توطيد علاقتها بالسنغال، ولاسيّما أنّ السنغال لها تاريخ طويل مُناهِض للاحتلال الإسرائيلى، ومُناصِر لحقوق الشعب الفلسطينى؛ وبالتالى، فإنّ توطيد العلاقات الإسرائيليّة السنغاليّة ــ من وجهة النظر الإسرائيليّة ــ يُمثّل انتصارا إسرائيليّا كبيرا داخل القارّة الإفريقيّة بصفة خاصّة، والمجتمع الدولى بصفة عامّة، ولاسيّما إذا نجحت إسرائيل فى حمْل السنغال على التراجُع عن مَواقفها المُسانِدة للقضيّة الفلسطينيّة.
إنّ مَوقف السنغال من القضيّة الفلسطينيّة نابِعٌ من العناصر الأساسيّة الثابتة فى الدبلوماسيّة السنغاليّة، وهى:
* السنغال دولة قياديّة فى القارّة الإفريقيّة.
* السنغال دولة محوريّة فى منظّمة التعاون الإسلامى، وترأس لجنة من ستّ لجان أساسيّة للمنظّمة تُعنى بشئون الإعلام والثقافة، وتنوب أيضا عن رئاسة لجنة القدس.
* مَواقِف السنغال ثابتة بشأن دعم الحقوق الفلسطينيّة، وهى ترأس بشكلٍ متجدّد منذ العام 1975 أكبر اللّجان الأُمميّة حول مُمارَسة الشعب الفلسطينى لحقوقه.
* السنغال لها دبلوماسيّة مُتوازِنة فى حلّ النزاعات على أساس دعم الحوار وتعزيز السلام، وهى تملك سابع قوّة فى العالَم لحفظ السلم والأمن الدوليَّين.
* السنغال ذات الأغلبيّة المُسلمة الساحقة تُشكِّل نموذجا للإسلام الصوفى المُعتدل، والذى كان سببا رئيسا للسلم المُجتمعى فيها منذ الاستقلال فى العام 1960 عن الاحتلال الفرنسى وحتّى الآن، وذلك بفضل قوّة انتشار الطُّرق الصوفيّة فيها.
* تربط السنغال علاقاتٌ مصلحيّة كبيرة بدول العالَم العربى، وصناديق الاستثمار العربى، وتُسهِم بشكلٍ كبير فى عمليّة التنمية، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه فى العام 1967 قطعت السنغال علاقاتها الدبلوماسيّة بإسرائيل تضامُنا مع العرب بعد النكسة، وأعادتها بالعام 1995 بعد التوقيع على اتّفاق أوسلو.
فى ضوء ذلك، يُمكن القول إنّ هناك تعارُضا قويّا فى المَصالِح بين إسرائيل والسنغال؛ إلّا أنّ الواقع عكس ذلك. فقد أعلنت السنغال التطبيع مع إسرائيل، ويبقى السؤال هنا: كيف لدولة مُناصِرة لحقوق الشعب الفلسطينى أن تتمتّع بعلاقاتٍ قويّة بدولة تَنتهِك حقوق هذا الشعب؟
وفى محاولةٍ للإجابة عن هذا التساؤل، نستعرض أبرز الأحداث التى طرأت على العلاقات بين البلدَين خلال السنوات الأخيرة، والتى تعكس التحوّل التدريجى الذى طرأ على علاقة السنغال بإسرائيل، وتتمثّل فى ما يلى:
القضيّة الفلسطينيّة وسحب السفير الإسرائيلى
اندلعت أزمة سياسيّة بين السنغال وإسرائيل، بعدما تقدَّمت كلٌّ من السنغال، وفنزويلا، وماليزيا، ونيوزيلندا، بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولى لإدانة البناء الإسرائيلى فى المستوطنات الإسرائيليّة داخل الأراضى الفلسطينيّة، وهو القرار رقم 2334، الذى صدر عقب تصويتٍ فى مجلس الأمن الدولى، حصل على تأييد 14 دولة، بعد امتناع الولايات المتّحدة عن التصويت.
اعتُبِر هذا القرار قرارا تاريخيّا، نظرا لأنّ معظم مشاريع القرارات ضدّ إسرائيل تُرفَض باستخدام حقّ الفيتو، حيث قامت الولايات المتّحدة باستخدام الفيتو 42 مرّة من أجل حماية إسرائيل، وتُعَدّ هذه هى المرّة الأولى التى لا تلجأ فيها الولايات المتّحدة إلى هذا الحقّ، ما جعله قرارا ساريا؛ وبناءً عليه تمّ تبنّى القرار بعد إقراره من غالبيّة الأعضاء.
نتج عن ذلك سحْب السفيرَين الإسرائيليَّين من كلٍّ من السنغال ونيوزيلندا. وردّا على سحْب إسرائيل سفيرها من السنغال، قال المتحدّث باسم الحكومة عبر التلفزيون العامّ «يجب الإشادة بمَوقف السنغال، المجتمع الدولى يُرحّب بمَوقف السنغال، وخصوصا الدول المُسلِمة». وأضاف: «حرصت السنغال على أن تكون مُنسجِمة مع رؤيتها الدبلوماسيّة التى تبنّتها منذ العام 1975، والتى ترأَّست بموجبها لجنة مُمارَسة الحقوق الرّاسخة للشعب الفلسطينى، كما أنّ الدعم السنغالى للشعب الفلسطينى لا يعنى أنّ السنغال ضدّ إسرائيل».
لم تستغرق تلك الأزمة سوى أشهر معدودة، إذ سرعان ما تمّ حلّها، حين أعلنت إسرائيل والسنغال عن إعادة تطبيع العلاقات بينهما بشكلٍ كامل بعدما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلى «نتنياهو» بالرئيس السنغالى «ماكى سال»، على هامش قمّة دُول غرب إفريقيا ECOWAS المُنعقدة فى ليبيريا، واتّفقا على إعادة السفير الإسرائيلى إلى السنغال، مقابل التزام السنغال بعدم العمل ضدّ مَصالِح إسرائيل فى المَحافِل الدوليّة.
وفى الوقت نفسه تمّ الاتّفاق على تجديد المشاريع المُشترَكة التى تمّ تعليقها فى أعقاب الأزمة، والتعاون الأمنى والزراعى بين البلدَين. ودعا نتنياهو وزير الخارجيّة السنغالى لزيارة إسرائيل.

زيارة وزير الخارجيّة السنغالى لإسرائيل
تُشير معظم التقارير إلى أنّ التحرّكات الإسرائيليّة فى دوائر النفوذ فى السنغال باتت فى تزايُد خلال السنوات الأخيرة، مدلِّلة على ذلك بالزيارة التى قامَ بها وزير الخارجيّة السنغالى السابق «سيديكى كابا» للمسجد الأقصى وسط حراسة الاحتلال الإسرائيلى، وبرفقة مُستوطنين إسرائيليّين، وقوبلت تلك الزيارة بالرفض من قبل السلطة الفلسطينيّة حيث أعلنت وزارة الإعلام الفلسطينيّة وقتها أنّ الطريقة التى زار بها «كابا» المسجد الأقصى «مرفوضة»، وعبَّرت فى بيان نشرته عن أسفها لزيارة «كابا» للمسجد الأقصى بحماية قوّات الاحتلال، الذين وضعوا عَلَمَ إسرائيل والسنغال على ملابسهم.
وطالَبت الحكومة الفلسطينيّة وقتها نظيرتها السنغاليّة بتقديم اعتذار عمّا حصل، مُعتبرةً أنّ الزيارة تشكِّل خرقا لإجماع منظّمة التعاون الإسلامى، وسابقة خطيرة فى تاريخ العلاقات الفلسطينيّة السنغاليّة، كما انتقدت دائرة الأوقاف المُشرِفة على المسجد زيارة الوزير السنغالى، كونها تمَّت من دون تنسيق معها، وتحت حراسة الشرطة.
ونشرَ المتحدِّث باسم الخارجيّة الإسرائيليّة «بول هيرشون»، على حسابه الرسمى على «تويتر»، صُورا للوزير السنغالى فى المسجد الأقصى، مُشيرا إلى أنّ «كابا» هو أوّل وزير خارجيّة سنغالى يزور إسرائيل.

تصريحات بأحقيّة اليهود بأرض فلسطين وإثارة الرأى العامّ السنغالى
فى مايو 2018، تزايدت فى الشارع السنغالى الأنشطة المؤيِّدة للقضيّة الفلسطينيّة والرّافِضة لجرائم الاحتلال الصهيونى ضدّ الشعب الفلسطينى. وطالَبت جمعيّاتٌ مُدافِعة عن القضيّة الفلسطينيّة حكومة البلاد بقطع علاقاتها الدبلوماسيّة مع إسرائيل. جاء هذا السخط ردّا على التصريحات التى أدلى بها «إدريس سك، رئيس الوزراء السنغالى السابق، حول أحقيّة اليهود بأرض فلسطين، وسرده لبعض المَزاعم التاريخيّة المغلوطة عن بَيت المقدس، ومكّة المكرَّمة. وبحسب قوله «بيت المقدس أهمّ من مكّة المكرَّمة»، «مكّة ليست مكان الحجّ الصحيح»، «اليهود هُم شعب الله المُختار».
أدانت رابطة الأئمّة، والدُّعاة فى السنغال تصريحات السياسى السنغالى ودعته للاعتذار، وقالت الرابطة فى بيانٍ وقَّعه أمينها العامّ «أحمد دام انجاى» إنّ « تصريحات «سكّ»، شوَّهت صورة الشعب السنغالى المُسلِم أمام العالَم الإسلامى».
وأضاف البيان أنّ اعتبار «سك» لما يجرى فى فلسطين كصراعٍ بين أشقّاء هو «جهل بالتاريخ»، مُشيرا إلى أنّ إسرائيل تأسَّست عقب إعلان وعد بلفور فى العام 1917 المُتضمِّن إنشاء منطقة تكون مَلجأً لليهود فى أنحاء العالَم.
أيضا استنكر البيان الطريقة المُتغطرِسة التى استخدمها «سك» فى التعليق على القضيّة الفلسطينيّة فى تصريحاته، ولفت البيان إلى أنّ «تلك التصريحات صدمت ضمير كلّ مُسلِم، وشكَّلت انتهاكا لرموز العقيدة الإسلاميّة».
كذلك انتقد «بامبا انجاى»، وزير الشئون الدينيّة الأسبق تصريحات «سك»، واعتبرها «تخريفات مُطابِقة للمَزاعم الصهيونيّة»، مُشيرا إلى أنّ تلك التصريحات تأتى فى ظلّ مَوجة اختراقٍ مركَّزة ترعاها إسرائيل فى السنغال.
وترتَّب عن تلك التصريحات أنْ دَعت منظّمةُ «الإيسيسكو» سلطاتِ السنغال لاتّخاذ إجراءات حازِمة ضدّ هذه التصريحات التى تهدف إلى إثارة الفتنة والتضليل، وتُعَدّ تكذيبا فجّا للحقائق الثابتة التى يؤكّدها القرآن الكريم، والسنّة النبويّة.
فى ضوء ما سبق، يُمكن القول إنّ إدلاء الوزير السنغالى السابق بمثل هذه التصريحات، وكذلك زيارة وزير الخارجيّة السنغالى للقدس وسط حماية إسرائيليّة هو بمثابة مؤشّر قوى نحو فعاليّة الدَّور والتأثير الذى تُمارسه إسرائيل داخل القارّة الإفريقيّة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يُعَدّ تراجُعا للمَوقِف السنغالى تجاه القضيّة الفلسطينيّة، واعترافا ضمنيّا بأحقيّة إسرائيل بالأرض. وأغلب الظنّ، أنّه إذا ما أعاد التاريخُ نفسَه، ودخلَت إسرائيل فى حربٍ ضدّ الدول العربيّة، لن تَقطع السنغال علاقاتها الدبلوماسيّة بإسرائيل، مثلما حدث فى الماضى عقب نكسة 1967. وبالتالى يتوجّب على الدول العربيّة توحيد صفوفها للتواجُد بشكلٍ أقوى داخل القارّة الإفريقيّة، وإلّا ستنجح إسرائيل فى إتمام مخطّطاتها التى تنفّذها بخطىً ثابِتة، وبطريقةٍ مُمنهَجة.

التعليقات