«الضيف».. الأفكار تسحق الدراما! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 14 يونيو 2021 4:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

«الضيف».. الأفكار تسحق الدراما!

نشر فى : الخميس 17 يناير 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 17 يناير 2019 - 10:10 م

أصعب شىء هو كتابة فيلم يدور فى مكان واحد تقريبا، ويترجم بالأساس صراعا فى الأفكار حول قضية ما، القاعدة الذهبية فى هذه الحالة تقول إن الأفكار لا بد أن تخرج بطريقة سلسة من قلب الدراما، نحتاج فى هذه الحالة دراما أقوى من المعتاد، تخفف من رتابة الحوار، وتكسر وحدة المكان، وتبتعد بالسرد عن المباشرة.
ربما تكون المشكلة الأوضح فى فيلم «الضيف» الذى كتبه إبراهيم عيسى، وأخرجه هادى الباجورى، هى ابتعاده عن هذه القاعدة: اكتسحت المناظرات الدراما، بل إنها قللت من تأثيرها، كما سنشرح حالا، وظهرت ثغرات كثيرة فى رسم الشخصيات والمواقف.
تجسدت المشكلة بوضوح فى نصف الفيلم الأول بأكمله، الذى غلب عليه طابع المناظرات الفكرية، بل والتعليمية أحيانا، فلما تصاعدت الدراما فى الجزء الأخير، بدَتْ غريبة وغير مقنعة؛ لأن الاهتمام بالتعبير عن الأفكار، لم يمنح فرصة لضبط الحبكة، والبناء على المقدمات.
هذا العيب موجود أيضا فى فيلم «مولانا» المأخوذ عن رواية لإبراهيم عيسى بنفس الاسم، فالمساجلات طويلة، وهى أقرب إلى برامج الحوارات منها إلى مفهوم الحوار الدرامى المكثف، ولكن حبكة «مولانا»، وبطلها، ووظيفته كداعية، وتقديمه لبرنامج فضائى، كل ذلك جعل الدراما تمرر أفكار الفيلم، رغم أن الحمولة كبيرة، والبناء أبعد ما يكون عن التماسك.
أما فى «الضيف» فالحبكة أضعف، والمشكلات أكبر: إنك مثلا يمكن أن تتقبل شخصية رجل يحمل الدكتوراه هو د. يحيى حسين التيجانى (خالد الصاوى)، ويؤلف الكتب التى تستهدف الإصلاح الدينى، على الرغم من أننا لا نعرف بالضبط نوعية الدكتوراه التى يحملها، ونتقبل بالطبع أن هذا الرجل مهدد فى حياته فى عهود الظلام والجهل التى نعيشها، أما الذى تستغربه منذ البداية فهو أن تتحول مناسبة زيارة شاب اسمه أسامة (أحمد مالك)، لخطبة ابنة الرجل، وتُدعى فريدة (جميلة عوض)، وفى حضور أمها ميمى (شيرين رضا)، إلى مناقشات حول الحجاب، والإسلام والمسيحية، وابن تيمية، وابن سينا!
الدراما تنسى منذ البداية أنه لقاء تعارف واكتشاف، وتنسى ما هو أهم وأخطر، وهو أن هذا الضيف، الذى يفترض أن تفاجئنا حقيقته فى النصف الثانى من الفيلم، يريد أن يظهر للدكتور يحيى وعائلته أنه على عكس حقيقته، أو يكسب ثقتهم على الأقل، ولكن الضيف سرعان ما يندمج فى المناقشات، ويظهر بوضوح أنه شخص مريب، وهو ما سيؤثر حتما على مفاجأة وتحولات الجزء الأخير، والأعجب أنه حتى فى هذا الجزء الذى تتصاعد فيه الأحداث، لا تتوقف المناظرات والمساجلات، ويزيد الأمر سوءا أن خالد الصاوى كان يقلد بوضوح إبراهيم عيسى شخصيا، وكأن الفيلم يحيل متفرجه، دون قصد طبعا، إلى فكرة البرنامج، وليس فكرة الدراما، ناهيك عن هشاشة وضعف حيلة الضيف التى عوقب بسببها عقابا يستحقه غباؤه.
فإذا عدتَ إلى طريقة رسم شخصية د. يحيى وشخصية الضيف، وهما عمودا البناء كله، فستجد نفسك أمام شخصيتين كانتا مضللتين فى وقت ما من حياتهما، ولكنك لن تعرف أبدا لماذا استفاق د. يحيى بدون مساعدة؟ ولماذا ظل الضيف مضللا على الرغم من هذه المناظرات الفقهية؟
طريقة أداء الصاوى تذكرنا بالبرامج، وطريقة أداء أحمد مالك تجعله مُضطربا نفسيا، قبل أى شىء آخر، بينما تفترض المناظرة، وجود فكر (ولو كان فاسدا)، مقابل فكر آخر يتجادل معه، ولكن ما رأيناه سواء فى مطالب الضيف، أو فى موقفه الغريب من فريدة (هل كان حُبا أم خِدَاعا؟)، جعل تصاعد الدراما غير مقنع، ولا ننسى أيضا قصة ماضى د. يحيى، التى فَتحَتْ قوسا جديدا، فى وقت يغلق فيه الفيلم كل أقواسه.
لم تحمل المناظرات دراما متماسكة، ولا خفف أداء الممثلين من سطوة الحوار، ولا وجد المخرج هادى الباجورى مَفرا من القطع بالتبادل بين الممثلين كما فى المسلسلات. الزوجة المسكينة تتلقى صدمتين متتاليتين فى عريس ابنتها، وفى ماضى زوجها، والابنة تتخلى عن حريتها أمام أول رجل، وتحافظ لفترة طويلة على تعبير وجه جامد، نفتقد موسيقى هشام نزيه داخل الفيلم، ثم نسمعها أخيرا على التترات، أمر غريب فعلا!.

التعليقات